بعد رمضان.. هل تعود أسعار الغذاء إلى طبيعتها أم تكشف عن اختلالات أعمق في السوق؟

ECO1727 مارس 2026
بعد رمضان.. هل تعود أسعار الغذاء إلى طبيعتها أم تكشف عن اختلالات أعمق في السوق؟
خديجة مبتسم

تشهد الأسواق المغربية، مباشرة بعد انتهاء شهر رمضان، حالة من الترقب الحذر لدى المستهلكين، في ظل تساؤلات متزايدة حول اتجاه أسعار المواد الغذائية: هل ستنخفض فعلا مع تراجع الطلب، أم أن الضغوط ستستمر بفعل عوامل أعمق تتجاوز الطابع الموسمي للاستهلاك؟ المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط توضح أن الأسعار غالبا ما تسجل ارتفاعا خلال رمضان نتيجة زيادة الطلب، خاصة على الخضر واللحوم وبعض المواد الأساسية، قبل أن تعرف نوعا من الاستقرار أو التراجع النسبي بعده، غير أن هذا الانخفاض لا يعيد الأسعار دائما إلى مستوياتها السابقة.

ويعزى هذا الوضع جزئيا إلى بنية العرض الفلاحي، حيث تلعب الظروف المناخية دورا حاسما في تحديد وفرة المنتجات. فالتساقطات المطرية الأخيرة، وفق معطيات وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ساهمت في تحسين إنتاج بعض الزراعات، وهو ما ينعكس تدريجيا على الأسواق، لكن هذا الأثر يظل متفاوتا حسب نوع المنتجات وسلاسل توزيعها.

في المقابل، تشير تحليلات بنك المغرب إلى أن التضخم الغذائي لا يرتبط فقط بتقلبات الطلب الموسمية، بل يتأثر أيضا بعوامل هيكلية مثل كلفة النقل والطاقة، إضافة إلى تطور الأسعار في الأسواق الدولية. وهو ما يفسر استمرار مستويات مرتفعة لبعض المواد حتى بعد انتهاء فترات الذروة الاستهلاكية.

كما يبرز دور الوسطاء وسلاسل التوزيع كعامل حاسم في تشكيل الأسعار النهائية. فقد سبق لـمجلس المنافسة أن نبه إلى اختلالات في مسالك التسويق، حيث يؤدي تعدد المتدخلين بين المنتج والمستهلك إلى رفع الأسعار بشكل لا يعكس دائما كلفة الإنتاج الحقيقية، ما يطرح إشكالية فعالية آليات المراقبة وضبط السوق.

ولا يمكن فصل الوضع الوطني عن السياق الدولي، إذ تؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن أسعار عدد من المواد الأساسية، خاصة الحبوب والزيوت، لا تزال متأثرة بتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الدول المستوردة، من بينها المغرب.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن استقرار أسعار المواد الغذائية بعد رمضان لا يعكس بالضرورة عودة فعلية إلى التوازن، بل قد يكون مجرد تصحيح ظرفي داخل منظومة تعاني من اختلالات بنيوية. وبين تقلبات المناخ، وضغوط السوق الدولية، وتعقيدات سلاسل التوزيع، يظل المستهلك الحلقة الأكثر تأثرا، في انتظار إصلاحات أعمق تضمن استقرارا حقيقيا ومستداما للأسعار.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق