يخلد العالم في 17 أكتوبر 2025 اليوم العالمي للقضاء على الفقر، وهو مناسبة لتجديد الالتزام الدولي والمجتمعي بمواجهة إحدى أكبر تحديات العصر. وقد اختارت الأمم المتحدة لهذه السنة شعارا يعكس بعدا إنسانيا عميقا: “إنهاء الإساءة الاجتماعية والمؤسسية – ضمان الاحترام والدعم الفعال للأسر التي تعيش في الفقر”، في تذكير بأن الفقر لا يختزل في نقص الدخل وحده، بل في التمييز والتهميش وغياب العدالة في المعاملة داخل المؤسسات التي من المفترض أن تحمي المواطنين لا أن تهمشهم.
يشكل هذا اليوم امتدادا عمليا للهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، الذي ينص على “القضاء على الفقر بجميع أشكاله أينما وُجد”. ومع كل 17 أكتوبر، يجد العالم نفسه أمام اختبار لمدى وفائه لهذا الالتزام، إذ لا يقاس التقدم فقط بالأرقام، بل بقدرة السياسات على تحويل هذا الهدف من شعار أممي إلى واقع يضمن الكرامة والإنصاف لكل إنسان.
من الإحسان إلى الإنصاف
تبرز التقارير الأممية أن الفقر لم يعد مجرد قضية مادية، بل قضية كرامة وعدالة. فالأشخاص في وضعية هشاشة يحتاجون إلى أن يعاملوا بإنصاف داخل المدارس والمستشفيات والإدارات العمومية، لا أن يختزلوا في فئات تنتظر المساعدة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن ما تسميه “الإساءة المؤسسية”، كالإهمال الإداري أو سوء المعاملة أو استبعاد الفقراء من الخدمات، يعد شكلا من أشكال العنف الرمزي الذي يعمق الفقر بدل أن يخفف منه.
القضاء على الفقر اليوم يتطلب تصميم أنظمة تضمن الشمول والمساواة في الفرص، لا مجرد تقديم إعانات ظرفية. فالقضية ليست كمية، بل قيمية؛ تتعلق بمدى احترام الفقير في السياسات العامة، وبما إذا كانت الدولة تعامله كشريك في التنمية أم كعبء اجتماعي.
التحديات في السياق المغربي والعربي
في المنطقة العربية، تتفاوت مؤشرات الفقر بشكل حاد بين بلد وآخر، غير أن الجامع بينها هو هشاشة أنظمة الحماية الاجتماعية وصعوبة ضمان العدالة المجالية.
أما في المغرب، فقد شهدت السنوات الأخيرة تحسنا في مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد بفضل إصلاحات اجتماعية كبرى، من بينها تعميم التغطية الصحية، والسجل الاجتماعي الموحد، وبرامج الدعم المباشر للأسر. ومع ذلك، ما تزال الفوارق بين المدن والبوادي قائمة، وتشكل تحديا أمام جعل النمو الاقتصادي أكثر إنصافا واستدامة.
ووفقا للمندوبية السامية للتخطيط، انخفضت نسبة الفقر متعدد الأبعاد في المغرب من 11,9٪ سنة 2014 إلى 6,8٪ سنة 2024؛ فيما بلغت نسبة الفقر في الوسط القروي 13,1٪ مقابل 3٪ في الوسط الحضري؛ كما تراجعت نسبة السكان المعرضين للفقر من 11,7٪ إلى 8,1٪ خلال العقد الأخير، غير أن الفجوات الجهوية ما تزال قائمة، خصوصا في المناطق الداخلية والجبلية.
نحو مقاربة إنسانية شاملة
يدعو شعار هذه السنة إلى الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق العدالة، أي من تقديم المساعدة إلى بناء مؤسسات تحترم المواطن في فقره كما في غناه. فتمكين الفقراء يعني إشراكهم في صياغة الحلول، لا الاقتصار على معاملتهم كمستفيدين. والكرامة الإنسانية هي الأساس الذي تبنى عليه السياسات الفاعلة: تعليم جيد، صحة متاحة، سكن لائق، وفرص متكافئة في سوق العمل.
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر 2025، تتجدد الدعوة إلى أن يكون القضاء على الفقر هدفا للعدالة قبل أن يكون هدفا للمساعدة. فكل خطوة تعيد للفقير مكانته وكرامته، هي خطوة نحو تنمية أكثر إنصافا واستقرارا.




















عذراً التعليقات مغلقة