أثار تداول أخبار عن انتشار “مرض خطير” يصيب أشجار الأركان بإقليم اشتوكة أيت باها موجة قلق واسعة في الأوساط البيئية والفلاحية، قبل أن تتدخل الجهات الرسمية لتوضيح حقيقة الوضع، في ملف يكشف مرة أخرى حساسية المنظومة البيئية للأركان أمام الشائعات والتغيرات المناخية في آن واحد.
وبدأت القصة مع تقارير إعلامية محلية تحدثت عن ظهور مرض “غير مسبوق” يهدد أشجار الأركان، مع تسجيل حالات تدهور في بعض الغابات، خصوصا بمنطقة تفنيت، وتحذيرات من تكرار سيناريو نبات الصبار الذي دمرته الحشرة القرمزية.
كما عززت هذه الرواية معطيات أخرى تداولتها منصات إعلامية، أشارت إلى ظهور أعراض غامضة مثل جفاف الأشجار وفقدان حيويتها، ما دفع بعض الفاعلين المحليين إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بتدخل عاجل لحماية هذا الموروث البيئي الفريد.
غير أن هذه المعطيات سرعان ما وضعت تحت مجهر التحقق، بعد صدور بلاغ رسمي عن الوكالة الوطنية للمياه والغابات بتاريخ 19 مارس 2026، نفت فيه بشكل قاطع وجود أي مرض وبائي خطير يصيب الأركان بالإقليم.
وأكدت الوكالة أن المعاينات الميدانية أظهرت أن حالات الذبول المسجلة تبقى محدودة وموضعية ولا تؤثر على الوضع العام للغابة، موضحة أن السبب الحقيقي يعود إلى الإجهاد المناخي المتراكم نتيجة سنوات من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وليس إلى مرض معد أو وبائي.
كما أشارت إلى أن نقص التساقطات وارتفاع الحرارة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تراجع الفرشات المائية، أثر بشكل مباشر على التوازن المائي للتربة، ما انعكس على صحة الأشجار، في حين أن بعض المظاهر التي تم تفسيرها كـمرض ليست سوى فطريات ثانوية أو أشنات طبيعية تنمو على الأغصان اليابسة.
هذا التباين بين الرواية الإعلامية والمعطيات العلمية يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية التعامل مع القضايا البيئية الحساسة، حيث يمكن أن تتحول مؤشرات بيئية طبيعية أو مرتبطة بالمناخ إلى أخبار مقلقة في غياب تشخيص علمي دقيق.
وفي خلفية هذا الجدل، يبرز عامل أساسي لا يمكن تجاهله، وهو التغير المناخي، الذي يفرض ضغوطا متزايدة على غابات الأركان، باعتبارها نظاما بيئيا هشا يعتمد بشكل كبير على التوازن المائي. وهو ما يجعل التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود “مرض وبائي”، بل في قدرة هذه المنظومة على الصمود أمام الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وفي هذا السياق، أكدت الوكالة استمرار برامج التتبع الميداني والتأهيل والتشجير، مع اعتماد تقنيات لتحسين تدبير الموارد المائية، في محاولة لتعزيز قدرة غابات الأركان على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة.
القضية لم تكن وباء يهدد الأركان، بل مؤشرا بيئيا مرتبطا بالمناخ، لكن سرعة انتشار الخبر تكشف هشاشة المعلومة البيئية، وحاجة أكبر إلى الربط بين الإعلام والعلم في معالجة قضايا الطبيعة.




















عذراً التعليقات مغلقة