المغرب بين الهرم الغذائي الحديث وذاكرة المائدة التقليدية

ECO1715 يناير 2026
المغرب بين الهرم الغذائي الحديث وذاكرة المائدة التقليدية
ابراهيم بوكيوض

مع اعتماد التوجيهات الغذائية الأمريكية 2025–2030 رسميا في 7 يناير الجاري، عاد “الهرم الغذائي” إلى الواجهة بصيغة جديدة، تراهن على فكرة واحدة تختصر الرسالة كلها: تناول طعاما حقيقيا وقلل من فائقة التصنيع. لكن قوة هذا النقاش لا تتوقف عند حدود الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه يلامس تحولا عاشه المغرب بهدوء خلال عقود قليلة: من مائدة قوامها البساطة والزمن والمواد الخام، إلى مائدة حضرية متسارعة تتوسع فيها الصناعات الغذائية والسكريات والملح.

في ذاكرة البوادي المغربية، كان “الطعام الحقيقي” واقعا يوميا قبل أن يصير شعارا عالميا. الخبز مثلا لم يكن منتجا سريعا، بل نتيجة زمن: عجين بالخميرة البلدية الطبيعية، يتخمر ساعات، ويمنح للجسم شبعا أطول، ويجعل الخبز جزءا من اقتصاد منزلي دائري لا يحتاج تعبئة ولا نقل ولا سلسلة تبريد. نفس المنطق يظهر في الكسكس الذي يعتمد الحبوب والقطاني والخضر الموسمية، وفي الحريرة التي تمزج البقول بالطماطم والأعشاب، وفي زيت الزيتون بوصفه دهنا محليا مرتبطا بالمجال.

لكن المدن المغربية تعيش اليوم مفارقة واضحة: كلما تسارعت الحياة، تقلص زمن الطعام. الخبز صار في جزء واسع من الاستهلاك حضريا منتجا سريعا، وترافق ذلك مع ارتفاع الضغط الصحي المرتبط بنمط الأكل. تشير رقام المسح الوطني 2017–2018  إلى أن 53 % من البالغين لديهم مؤشر كتلة جسم 25 أو أكثر، وقرابة 20 % في وضع سمنة. وفي نفس الاتجاه، تظهر الأبحاث المرتبطة بالملح أن الخبز وحده قد يصل استهلاكه اليومي إلى حوالي 500 غرام للفرد، الشيء الذي يجعل تقليص الملح في الخبز رافعة صحية كبيرة.

هنا تبرز أيضا قصة الشاي والسكر: تقليد اجتماعي دافئ، لكنه في صيغته الحضرية الحديثة صار غالبا محملا بسكر يومي زائد، يتقاطع مع توسع المشروبات المحلاة. لهذا أعادت السياسات العمومية بدورها فتح ملف السكر عبر ضرائب تصاعدية على المشروبات السكرية منذ 2020، وفق مستويات مرتبطة بتركيز السكر.

يعني الطعام فائق التصنيع عادة تغليفا أكثر، ونقلا أكثر، وهدرا أكثر، وطاقة أكبر في التصنيع والتبريد. بالمقابل، حين يعود الخبز إلى خميرته البلدية، والكسكس إلى حبته، والحريرة إلى قطانيها، لا يعود الأمر حنينا فقط، بل اختيارا يقلل الكلفة البيئية ويعيد الاعتبار لاقتصاد القرب.

بهذا المعنى، يمكن قراءة “الهرم الأمريكي” كمرآة بعيدة تذكرنا بسؤال مغربي قريب: كيف نستعيد بعض عناصر الحكمة الغذائية التقليدية داخل المدن، دون تمجيد الماضي، وبما يراعي الواقع الاجتماعي والقدرة الشرائية وتغير أنماط العيش؟

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق