الفيضانات في المغرب: الذاكرة المائية والطوارئ المناخية وبناء القدرة على الصمود

ECO1712 فبراير 2026
الفيضانات في المغرب: الذاكرة المائية والطوارئ المناخية وبناء القدرة على الصمود
البروفيسور ليلى ماندي - رئيسة مركز تنمية منطقة تنسيفت (CDRT)؛ خبيرة في علوم المياه والبيئة

واجه المغرب في الأسابيع الأخيرة سلسلة من الأمطار الغزيرة التي تسببت في فيضانات في عدة مناطق من البلاد. انقطاع الطرق، غمر المياه للأحياء السكنية، خسائر زراعية، هشاشة البنى التحتية: تذكرنا هذه الأحداث بقوة أن خطر الفيضانات لم يعد استثنائيا، بل أصبح هيكليا في سياق تغير المناخ المتسارع.

لطالما اعتبر المغرب بلدا معرضا للجفاف في الغالب، لكنه يعيش اليوم مفارقة مائية: التقلب الحاد بين العجز المائي وفائض المياه. إن تزايد تواتر الأمطار الغزيرة وتركيزها المكاني، فضلا عن التوسع الحضري السريع، يجعل الأراضي أكثر عرضة للفيضانات السريعة، لا سيما في المدن والمناطق شبه الحضرية.

هذه الفيضانات ليست مجرد كوارث طبيعية. فهي تكشف أيضا عن خياراتنا في مجال التخطيط العمراني، وأنماط استغلال الأراضي، وقدرتنا الجماعية على التوقع.

1)    فيضانات تتفاقم بسبب خيارات التخطيط العمراني غالبا ما تتفاقم الفيضانات بسبب عدة عوامل مجتمعة:

التحول السريع للأراضي إلى أراض اصطناعية، واحتلال المناطق المعرضة للفيضانات بشكل طبيعي، وعدم كفاية شبكات تصريف مياه الأمطار، والتجزئة المؤسسية لإدارة المياه، وفقدان الوظائف الطبيعية للأودية والسهول الطميية.

عندما تصبح الأمطار غزيرة، لا تتسرب المياه: فهي تتدفق وتتراكم وتحول المساحة الحضرية إلى حوض احتجاز غير خاضع للرقابة. تعاني العديد من المدن المغربية اليوم من بنى تحتية مصممة لمناخ الماضي، في حين أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت هي القاعدة الجديدة.

2)    تاريخ طويل من التعايش مع الفيضانات في المغرب

يتمتع المغرب بتاريخ طويل في مجال المياه. لطالما شكلت الأودية هيكل المساحة والزراعة والمستوطنات البشرية. كانت سهول سيبو وأوم الربيا وتينسيفت ودرا تعيش على إيقاع الفيضانات الموسمية، التي كانت مفيدة في بعض الأحيان ومدمرة في أحيان أخرى.

في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تركت عدة أحداث أثراً دائماً على الأراضي: فيضانات سيبو وفاس، والفيضانات في الغرب، والمحمدية، ومراكش، ووادي أوريكا، وغلميم، وتاتا، وإرراشيدية. غالبا ما تسببت هذه الأحداث في خسائر بشرية وعزل القرى وأضرار اقتصادية كبيرة.

لطالما كانت استجابة المغرب لهذه الأحداث تتمحور بشكل أساسي حول الهندسة المائية: السدود، والحواجز، وتصحيح مجاري الأنهار، وما إلى ذلك.

وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في الحد من بعض المخاطر، ولكنها شجعت في بعض الأحيان على التوسع العمراني في المناطق المعرضة للخطر بشكل طبيعي، مما أدى إلى نقل الخطر بدلا من القضاء عليه.

اليوم، تغيرت الظروف. يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم الأمطار الغزيرة، في حين أن التوسع العمراني وتصلب التربة والضغط على الأراضي يزيد من الضعف. ففي حين كانت الفيضانات قديماً بطيئة ويمكن التنبؤ بها في كثير من الأحيان، أصبحت الفيضانات الحالية أكثر عنفاً ومحددة المكان ويصعب التنبؤ بها.

القصر الكبير: الصورة البشرية للفيضانات الحالية

من بين المناطق التي ضربتها الفيضانات مؤخرا، توضح مدينة كسر الكبير ومحيطها حجم الأضرار البشرية للفيضانات الحالية في المغرب. أدت الأمطار الغزيرة، مقترنة بارتفاع منسوب مياه وادي لوكوس، إلى غمر العديد من الأحياء والمناطق الزراعية، مما أجبر السلطات على إجراء عمليات إجلاء وقائية واسعة النطاق. اضطرت آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها مؤقتا إلى مراكز استقبال أو مناطق أكثر أمانا، مما أدى إلى اضطراب الحياة الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

إلى جانب الأضرار المادية، تكشف هذه الحالة عن هشاشة المدن الواقعة في السهول المعرضة للفيضانات، وتذكرنا بأن إدارة الفيضانات يجب أن تراعي بشكل كامل البعد الإنساني والاجتماعي والإقليمي للمخاطر.

ومن العوامل الأخرى التي تفاقمت الوضع عمليات الإفراج المتحكم فيه عن سد وادي المخازين، التي أصبحت ضرورية بسبب مستويات الملء الاستثنائية بعد هطول الأمطار الغزيرة. وعلى الرغم من أن هذه العمليات ضرورية لضمان سلامة السد، إلا أنها ساهمت في زيادة تدفق مياه وادي لوكوس في اتجاه مجرى النهر، مما أدى إلى تفاقم الفيضانات محليا حول قصر الكبير وسهول الغرب. ويبرز هذا الوضع أهمية التنسيق الوثيق بين إدارة السدود والتنبؤات الهيدرولوجية والمناخية وإعلام السكان.

4)    ما تعلمنا إياه تاريخ الفيضانات

في المقال العلمي Evolution of Floods: From Ancient Times to the Present Times and the Future (تطور الفيضانات: من العصور القديمة إلى العصر الحاضر والمستقبل)، الذي ساهمت في كتابته، نبين أن المجتمعات كانت دائماً مضطرة للتعامل مع الفيضانات وأن العديد من الحلول القديمة لا تزال حديثة بشكل مدهش.

فقد فهمت الحضارات من مصر إلى وادي السند، مرورا باليونان والصين، قاعدة بسيطة: لا نحارب الماء، بل ننظم مروره. فقد جمعت بين مناطق توسع الفيضانات وأنظمة الصرف المتكاملة والتحويلات المائية والتخطيط الحضري الملائم للمخاطر.

ومن المفارقات أن بعض المدن المعاصرة أقل مرونة في بعض الأحيان من تلك التي كانت موجودة منذ عدة آلاف من السنين، لأنها تسعى إلى تقييد المياه بدلا من التعايش معها.

5)    التوفيق بين التراث الهيدروليكي والحداثة المناخية

التوفيق بين الماضي والحاضر لا يعني العودة إلى الوراء، بل إعادة تعلم كيفية العيش مع الماء. كانت المجتمعات المغربية التقليدية تعرف كيف تتعامل مع الأودية: الاستيطان الحذر، والزراعة الملائمة، واحترام الديناميات الطبيعية.

واليوم، يجب أن تلتقي هذه الحكمة بالعلم الحديث لبناء ثقافة جديدة للمخاطر قائمة على التوقع والوقاية والمرونة الإقليمية.

6)    بناء القدرة على الصمود في مواجهة الفيضانات

تظهر التحليلات التاريخية أن المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود لم تكتفِ ببناء الحواجز، بل نظمت تخزين المياه وتصريفها ودمجها في الأراضي. بالنسبة للمغرب، يدعو ذلك إلى اعتماد إدارة متكاملة لمخاطر الفيضانات حول خمسة محاور رئيسية.

أولا، إعادة توفير مساحة للمياه من خلال الحفاظ على السهول القابلة للفيضان، والحد من التوسع العمراني في مجاري الأنهار الرئيسية، وإنشاء حدائق وأحواض قابلة للفيضان، وإعادة ربط المدن بمجاريها المائية.

ثانيا، إعادة النظر في التخطيط الحضري في مواجهة الأمطار الغزيرة من خلال تطوير الأسطح القابلة للنفاذ، والأسطح المزروعة بالنباتات، والطرق المزودة بنظام تصريف المياه، وتعزيز شبكات تصريف مياه الأمطار، وإدراج المخاطر في وثائق التخطيط.

ثالثا، حشد الحلول القائمة على الطبيعة: ترميم الضفاف، وإعادة تشجير مستجمعات المياه، ومكافحة التآكل، وحماية الأراضي الرطبة، والزراعة المتوافقة مع الفيضانات.

رابعا، الاستباق بدلا من الإصلاح من خلال أنظمة الإنذار المبكر، والنمذجة الهيدرولوجية، وتبادل البيانات، ودمج العلم في صنع القرار العام.

أخيرا، بناء حكامة مائية تشاركية قائمة على التنسيق بين الدولة والمناطق والبلديات والباحثين والمجتمع المدني، وتدريب الفاعلين ونشر ثقافة مواطنة للمخاطر.

7)    تحويل الأزمة إلى فرصة

تعد الفيضانات الحالية في المغرب بمثابة إشارات إنذار إقليمية. فهي تذكرنا بأن المياه قد تكون نادرة أو زائدة عن الحاجة، لكنها تظل في صميم الأمن والتنمية والعدالة الإقليمية.

في مواجهة تغير المناخ، لا يمكن أن تكون الاستجابة علاجية فقط. بل يجب أن تكون وقائية ومتكاملة وجماعية. من خلال التوفيق بين الذاكرة المائية والابتكار العلمي والحوكمة المشتركة، يمكن للمغرب تحويل خطر الفيضانات إلى رافعة للمرونة والاستدامة والتماسك الإقليمي.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق