يتناول المحور الرابع من السلسلة اتفاقية باريس بشأن تغيّر المناخ (2015)، التي نقلت الغابات من موقع الأداة التقنية إلى موقع الفاعل المؤسسي في الحكامة المناخية العالمية.
كما سيوضح هذا المحور كيف تحول المنطق من تعويض الانبعاثات إلى بناء سياسات متكاملة للتخفيف والتكيّف، من خلال آلية REDD+ وصندوق المناخ الأخضر، وكيف أصبحت الغابات ركيزة لسياسات التنمية المستدامة والعدالة البيئية في القرن الجديد.
المحور الرابع: اتفاقية باريس (2015) – الغابات كفاعل مؤسسي في الحكامة المناخية
شكلت اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، المعتمدة في 12 دجنبر 2015، والتي دخلت حيز التنفيذ في 4 نونبر 2016، منعطفا حاسما في مسار الاعتراف الدولي بالغابات كفاعل مؤسسي في الحكامة المناخية.
فبعد أن تعامل بروتوكول كيوتو مع الغابات من زاوية اقتصادية–كمية بوصفها “مخازن للكربون”، وسعت اتفاقية باريس الرؤية لتجعل منها أداة للتكيف المناخي والتنمية المستدامة في آن واحد [14].
وقد نصت المادة الخامسة من الاتفاقية على أن “تتخذ الأطراف إجراءات للحفاظ على الخزانات الكربونية، بما في ذلك الغابات، وتعزيزها، وتشجع على تنفيذ نهج REDD+ وغيرها من الأنشطة ذات الصلة”. ويمثل هذا النص نقلة نوعية من منطق التعويض الكربوني إلى مقاربة الحماية البنيوية للنظم الإيكولوجية، التي تتجاوز الاقتصاد الكربوني إلى الاعتراف بالغابة كبنية تحتية بيئية ضرورية لاستقرار المناخ العالمي.
فآلية خفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها REDD+ أدرجت ضمن اتفاق باريس كآلية تنفيذية رسمية، تمكن الدول النامية من الحصول على دعم مالي وتقني مقابل خفض إزالة الغابات وتدهورها. كما ألزمت الاتفاقية الأطراف بإدماج الغابات ضمن المساهمات المحددة وطنيا NDCs، التي تعد الإطار المرجعي الوطني لتقدير التزامات كل دولة في خفض الانبعاثات والتكيف [15].
وتتميز اتفاقية باريس بكونها أكثر توازنا من كيوتو من حيث العدالة المناخية، إذ اعتمدت مقاربة شمولية تدمج التخفيف والتكيف والتمويل، وتربط بين حماية الغابات وتمكين المجتمعات المحلية. فهي لم تعد تعتبر الغابة مجرد “مخزن كربوني”، بل ركيزة اجتماعية واقتصادية تدعم التنمية الريفية، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (الهدف 13 حول المناخ، والهدف 15 حول النظم البرية).
كما عززت الاتفاقية التعاون متعدد الأطراف من خلال إنشاء صندوق المناخ الأخضر Green Climate Fund، الذي يمول البرامج الغابوية في بلدان الجنوب، وأعادت ربط الالتزامات المناخية بمبدأ “المسؤوليات المشتركة والمتباينة”، الذي كان محور التفاوض منذ قمة ريو. وبهذا، تحولت الغابات إلى فاعل قانوني ومؤسسي في توازن النظام المناخي، ومؤشر ملموس على التزام الدول بمفهوم العدالة المناخية العالمية.
وفي هذا الإطار، أقرت الأمم المتحدة سنة 2017 الخطة الاستراتيجية للغابات 2017–2030، التي تبناها المنتدى الدولي للغابات UNFF كآلية مكملة لاتفاق باريس في الجانب الغابوي. وتضمنت الخطة ستة أهداف استراتيجية، أبرزها:
- وقف إزالة الغابات على المستوى العالمي،
- زيادة المساحات الغابوية بنسبة 3% على الأقل،
- إدماج الغابات في السياسات الوطنية للتنمية المستدامة،
- وتوسيع فرص التمويل الأخضر الموجه للأنشطة الحرجية [16].
بهذه النقلة، تجسد اتفاق باريس الانتقال من المقاربة التقنية إلى المقاربة المؤسسية–الحقوقية؛ فلم تعد الغابات مجرد أداة لتعويض الانبعاثات، بل فاعلا قانونيا ومناخيا في حماية النظام البيئي العالمي. كما أضحت محورا في التوفيق بين العدالة البيئية والعدالة المناخية، ووسيلة لترجمة الالتزامات الدولية إلى سياسات وطنية قائمة على المشاركة والشفافية والتمويل الأخضر.




















عذراً التعليقات مغلقة