شهد إقليم إفران خلال بداية سنة 2026 تساقطات مطرية وثلجية مهمة أعادت الأمل إلى الساكنة بعد سنوات متتالية من الجفاف. هذه الدينامية المناخية انعكست إيجاباً على عدد من المنابع والضايات والبحيرات بالأطلس المتوسط، وأعادت الحياة إلى مشاهد طبيعية افتقدتها المنطقة طويلاً، كما نشطت الحركة السياحية في مدينة إفران، الملقبة بـ”سويسرا المغرب”.
في هذا السياق، يوضح الدكتور حسن أشيبان، الباحث في علوم الأرض والمتخصص في الموارد والأحواض المائية، أن سنة 2026 تميزت بطابع استثنائي من حيث التساقطات، وهو ما انعكس بشكل متفاوت على المنظومات الهيدرولوجية بالأطلس المتوسط، الذي يعتبر قلعة مائية طبيعية للمغرب وحساسا جدا للتغيرات الهيدرو-مناخية.
البحيرات بين تغذية جوفية وجريان سطحي
يشير الدكتور أشيبان إلى أن بحيرات الأطلس المتوسط تنقسم أساسا إلى فئتين من حيث نمط التغذية. فهناك بحيرات ترتبط مباشرة بدينامية المياه الجوفية، مثل ضاية عوا وضاية حاشلاف وضاية إفراح، حيث يتحدد منسوبها بمستوى الفرشة المائية وارتفاعها البيزومتري. في المقابل، توجد بحيرات تعتمد أساسا على الجريان السطحي والتساقطات المباشرة، من أبرزها بحيرة أفنورير الواقعة داخل المنتزه الوطني لإفران.
وقد أظهرت التساقطات الأخيرة اختلافا واضحا في الاستجابة بين هاتين الفئتين. فالبحيرات المرتبطة بالجريان السطحي شهدت امتلاء شبه كامل بفضل الأمطار وذوبان الثلوج، بينما ظلت البحيرات المعتمدة على المياه الجوفية تعرف تحسنا محدودا، نتيجة بطء عملية إعادة شحن الفرشات بعد سبع سنوات من العجز المائي المتراكم.
تحسن ظرفي لا يعني نهاية الأزمة
يؤكد الدكتور أشيبان أن الحديث عن نهاية أزمة المياه سابق لأوانه. فالسنة المطيرة، مهما كانت وفيرة، لا تكفي لتعويض سنوات من الاستنزاف والجفاف، خصوصا في ظل الاستغلال المفرط للمياه الجوفية لأغراض فلاحية. كما أن البنية الجيولوجية المتنوعة للأطلس المتوسط، بين التكوينات الجيرية المنفذة والمناطق المطوية ذات التعقيد البنيوي، تؤثر بشكل مباشر على سرعة وفعالية إعادة الشحن.
بالتالي، ما تعيشه المنطقة اليوم هو تحسن ظرفي، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى التعافي الهيكلي للمنظومة المائية.
أبعاد بيئية واجتماعية واقتصادية
تلعب بحيرات الأطلس المتوسط دورا محوريا في التوازن البيئي، إذ تنظم الجريان المائي، وتدعم التنوع البيولوجي، خاصة في المناطق الرطبة المصنفة، كما تساهم في الأنشطة الزراعية والسياحية. انخفاض منسوب المياه لفترات طويلة يؤدي إلى إضعاف النظم الإيكولوجية، وتراجع الموارد المتاحة للسكان، وارتفاع حدة التنافس على الاستعمالات المختلفة.
ومن هنا، فإن العجز في المياه الجوفية أصبح أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المنطقة.
نحو مقاومة مائية مستدامة
يرى الدكتور أشيبان أن تعزيز مقاومة المياه في الأطلس المتوسط يقتضي مقاربة مندمجة تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:
-
تدبير رشيد للمياه الجوفية عبر مراقبة دقيقة للاستخراجات وتتبع بيزومتري منتظم للفرشات، للحد من الاستنزاف الحالي.
-
انتقال زراعي ملائم للسياق المائي من خلال تشجيع زراعات أقل استهلاكا للمياه وأكثر ملاءمة للظروف المناخية المحلية، مع الحفاظ على الجدوى الاقتصادية للفلاحين.
-
تثمين منهجي لمياه الأمطار عبر إنشاء سدود صغرى، وتحسين منشآت تجميع المياه، واعتماد أنظمة محلية لاسترجاع الجريان السطحي، بما يسمح باستغلال أفضل للحلقات المطرية المركزة زمنيا.
هذه الاستراتيجية المندمجة من شأنها تقليص الضغط على الموارد الجوفية وضمان توازن أفضل بين التنمية والحفاظ على الموارد.
ضاية عوا… أمل مشروع بحذر علمي
عودة جريان سطحي محدود يغذي ضاية عوا أثار موجة تفاؤل واسعة في أوساط الساكنة. ويعتبر الدكتور أشيبان أن هذا المعطى يحمل دلالة رمزية إيجابية، إذ يؤكد أن النظام الهيدرولوجي لم ينكسر بالكامل. غير أن الامتلاء المستدام للضاية يبقى رهينا بارتفاع منسوب المياه الجوفية، لا بالمساهمات السطحية الظرفية وحدها.
ويخلص إلى أن إحياء ضاية عوا بشكل دائم يتطلب توالي سنوات هيدرولوجية مواتية، مقرونة بإدارة صارمة لاستخراج المياه داخل حوض تغذيتها. فالمستقبل المائي للأطلس المتوسط لا يرتبط بالمناخ وحده، بل أيضا بالخيارات الجماعية في مجال الحكامة المائية.
بهذا المعنى، يمكن الحديث عن أمل حقيقي، لكن أمل واع، يستند إلى العلم ويتطلب إجراءات ملموسة لضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.




















عذراً التعليقات مغلقة