التشريع البيئي في الإسلام: المبادئ العامة لحماية البيئة في القرآن والسنة والفقه الإسلامي

ECO1711 مارس 2026
التشريع البيئي في الإسلام: المبادئ العامة لحماية البيئة في القرآن والسنة والفقه الإسلامي
إيمان بنسعيد

الحلقة الرابعة

التشريع البيئي في الإسلام: المبادئ العامة لحماية البيئة في القرآن والسنة والفقه الإسلامي

`قراءة في كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي»: كيف أرست الشريعة الإسلامية أسسا أخلاقية وتشريعية لتنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة`

كما أشرنا في الحلقة السابقة، فإن الأزمة البيئية التي يعيشها العالم اليوم ليست مجرد مشكلة تقنية أو علمية، بل هي في جوهرها نتيجة اختلال في علاقة الإنسان بالطبيعة. غير أن العودة إلى التراث الإسلامي تكشف أن هذه العلاقة لم تترك دون ضوابط، بل نظمتها الشريعة الإسلامية ضمن منظومة من المبادئ والقيم التي تضبط تعامل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها.

وفي هذا السياق يبين الدكتور عبد الحكيم الشتيوي في كتابه «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي» أن الشريعة الإسلامية وضعت منذ وقت مبكر مجموعة من الأسس التي يمكن النظر إليها اليوم باعتبارها إطارا عاما لما يمكن تسميته بالتشريع البيئي في الإسلام. فقد استندت هذه المبادئ إلى مصادر التشريع الأساسية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية، إضافة إلى ما طوره الفقه الإسلامي من قواعد واجتهادات لتنظيم حياة الناس وعلاقاتهم المختلفة.

فالقرآن الكريم يقدم تصورا متكاملا لعلاقة الإنسان بالكون، يقوم على مبدأ الاستخلاف في الأرض، وهو المبدأ الذي يجعل الإنسان مسؤولا عن إعمار الأرض لا عن إفسادها. يقول الله تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة﴾ ،(البقرة: 30).

ويشير المؤلف إلى أن هذا المفهوم يضع الإنسان في موقع المسؤولية تجاه البيئة التي يعيش فيها، إذ إن الاستخلاف لا يعني السيطرة المطلقة على الطبيعة، بل يقتضي التعامل معها في إطار من المسؤولية والاعتدال.

ولهذا نجد أن القرآن الكريم ينهى صراحة عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وهو نهي يحمل دلالة واضحة على ضرورة الحفاظ على التوازن الذي أوجده الله في الكون. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تفْسِدوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، (الأعراف: 56).

كما يلفت القرآن الانتباه إلى أن الكون قائم على نظام دقيق من التوازن، وهو ما تشير إليه الآيات التي تتحدث عن الميزان الكوني الذي يحكم حركة الوجود. يقول تعالى:﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾،(الرحمن: 7–8).

ويرى المؤلف أن هذه الإشارات القرآنية تؤسس لفكرة مهمة مفادها أن الحفاظ على التوازن الطبيعي ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو جزء من المسؤولية التي يحملها الإنسان بصفته مستخلفا في الأرض.

وإلى جانب القرآن الكريم، تقدم السنة النبوية بدورها توجيهات عملية في كيفية تعامل الإنسان مع عناصر البيئة. فقد تضمنت الأحاديث النبوية نصوصا عديدة تحث على إعمار الأرض وتشجع على الغرس والزراعة، لما في ذلك من نفع للإنسان وسائر الكائنات الحية. ومن ذلك قول النبي ﷺ:”ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة”(رواه البخاري ومسلم).

كما تؤكد السنة النبوية على ضرورة الرفق بالحيوان وعدم الإضرار به، وهو ما يعكس رؤية أخلاقية واسعة في التعامل مع الكائنات الحية. فقد قال النبي ﷺ:”في كل كبدٍ رطبة أجر”(رواه البخاري).

ومن خلال هذه النصوص يتضح أن الإسلام لا ينظر إلى البيئة باعتبارها مجرد مورد اقتصادي قابل للاستغلال، بل باعتبارها جزءا من النظام الذي أوجده الله في الكون، والذي ينبغي للإنسان أن يتعامل معه في إطار من المسؤولية والاعتدال.

ويشير المؤلف إلى أن هذه المبادئ العامة لم تبق مجرد توجيهات أخلاقية، بل تحولت مع تطور الفقه الإسلامي إلى قواعد تشريعية استند إليها العلماء في معالجة القضايا المرتبطة باستعمال الموارد الطبيعية. ومن أبرز هذه القواعد قاعدة» لا ضرر ولا ضرار « التي تعد من القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي.

فهذه القاعدة، كما يوضح المؤلف، لا تنظم فقط العلاقات بين الأفراد، بل يمكن أن تمتد أيضا إلى تنظيم علاقة الإنسان بالبيئة، لأن كل فعل يؤدي إلى الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع يدخل ضمن دائرة المنع الشرعي.

كما اعتمد الفقهاء على عدد من المبادئ الأخرى مثل تحقيق المصلحة العامة، ودفع الضرر، وسد الذرائع، وهي مبادئ تسمح بتنظيم استعمال الموارد الطبيعية إذا كان في ذلك حماية للمجتمع أو للبيئة.

ومن خلال هذه القواعد يظهر أن التشريع الإسلامي لم يكن نظاما جامدا، بل كان قادرا على التفاعل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات الإسلامية. وقد مكن هذا الإطار التشريعي الفقهاء من معالجة قضايا متعددة تتعلق بالماء والأرض والزراعة والعمران، وهي القضايا التي شكلت جزءا أساسيا من الحياة اليومية في مجتمعات الغرب الإسلامي.

وهنا يلفت المؤلف الانتباه إلى أن هذه المبادئ العامة ستتجسد بشكل أوضح في تراث النوازل الفقهية، حيث واجه الفقهاء مشكلات واقعية تتعلق باستعمال الموارد الطبيعية، فقدموا بشأنها فتاوى واجتهادات عملية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصالح الناس وحماية البيئة.

ويكشف هذا التراث، كما يؤكد الدكتور الشتيوي، عن وعي مبكر لدى الفقهاء بأهمية تنظيم العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهو ما تجسد في عدد كبير من الأحكام التي نظمت استعمال المياه، وحماية الأراضي الزراعية، ومنع الإضرار بالممتلكات المشتركة.

وفي الحلقة المقبلة سننتقل إلى هذا الجانب العملي من الموضوع، لنقف عند فقه النوازل في الغرب الإسلامي، وكيف اجتهد العلماء في معالجة القضايا البيئية التي واجهت المجتمعات الإسلامية في حياتها اليومية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق