إنصاف مناخي أم عدالة مناخية..ماذا نريد؟

ECO1711 يوليو 2025
إنصاف مناخي أم عدالة مناخية..ماذا نريد؟
خديجة مبتسم

رغم التشابه المفهومي بين الإنصاف المناخي Climate Equity والعدالة المناخية Climate Justice، فإن التمييز بينهما ضروري لفهم عمق الأزمة المناخية، ولفهم كيفية مواجهتها بطريقة عادلة وإنسانية. يعكس كلا المصطلحين تطورا في الوعي العالمي بأن التغير المناخي ليس فقط أزمة بيئية أو تقنية، بل قضية إنسانية وحقوقية تتطلب مراجعة العلاقات الاقتصادية والسياسية القائمة على عدم المساواة.

يقصد بالإنصاف المناخي، وفق تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ، ضمان “توزيع عادل للجهود والموارد المناخية على أساس المسؤوليات التاريخية والقدرات الحالية”. ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ “المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة” الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، والذي يعترف بأن الدول الصناعية الكبرى، التي ساهمت تاريخيا في الانبعاثات، يجب أن تتحمل الجزء الأكبر من أعباء التخفيف والتكيف وتمويل الانتقال الطاقي. وتؤكد الهيئة في تقريرها السادس الصادر سنة 2022 أن “تحقيق أهداف اتفاق باريس يمر عبر سياسات منصفة تأخذ بالحسبان تفاوت الإمكانات الاقتصادية ومعدلات الانبعاثات بين الشمال والجنوب العالمي”.

ويظهر الإنصاف المناخي، على المستوى العملي، في مبادرات مثل صندوق المناخ الأخضر الذي يمول مشاريع الطاقات المتجددة والبنيات التحتية المرنة* في إفريقيا والدول الجزرية الصغيرة. كما يشمل الإنصاف تعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، لضمان ألا يبقى الانتقال الطاقي حكرا على الأغنياء. فتمويل مشروع محطة الطاقة الشمسية في بنين أو توسيع شبكات الإنارة المستدامة في رواندا يعتبر من تجليات هذا الإنصاف، الذي يسعى إلى “مساواة في النتائج، لا في البدايات”، كما ورد في وثائق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

أما العدالة المناخية، فهي توسيع لهذا المفهوم لتشمل البعد الأخلاقي والحقوقي. فهي لا تكتفي بتوزيع الموارد بشكل عادل، بل تسعى لضمان أن لا يترك أحد خلف الركب، وفق ما جاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لسنة 2021. تضع العدالة المناخية في قلب أولوياتها حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة والماء والسكن والصحة، وتركز على الفئات الأكثر هشاشة: السكان الأصليون، النساء، الفقراء، اللاجئون المناخيون، والشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو التهميش.

وتطالب العدالة المناخية بمساءلة الفاعلين الملوثين، سواء كانوا دولا أو شركات نفطية. وتظهر بشكل جلي في مطالبات الدول النامية بالحصول على تعويضات عن الأضرار التي سببتها الكوارث المناخية، كما في حالة باكستان، التي طالبت، إثر فيضانات 2022 المدمرة، بدعم دولي لا يقل عن 30 مليار دولار لإعادة الإعمار والتكيف. وقد شكل إحداث صندوق الخسائر والأضرار Loss and Damage Fund في مؤتمر الأطراف  COP27 في شرم الشيخ خطوة رمزية كبرى في اتجاه الاعتراف بالعدالة المناخية كحق.

غير أن العدالة المناخية لا تقف عند حدود المال والتعويض، بل تدعو إلى تحول جذري في النظم الاقتصادية والسياسات العامة التي ساهمت في تفاقم الأزمة. فمكافحة التغير المناخي يجب أن تكون فرصة لإعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وفي علاقات السلطة داخل المجتمع الدولي، بما يسمح ببناء مجتمعات أكثر عدالة ومشاركة.

إن مفهومي، الإنصاف المناخي والعدالة المناخية، ليسا متعارضين، بل متكاملان؛ فبدون الإنصاف، لن تتوفر الموارد والإمكانات لمساعدة المجتمعات المتأثرة. وبدون العدالة، لن تتم معالجة الجذور البنيوية للأزمة، ولن تحترم كرامة الإنسان. يشبه بعض الباحثين ترابط المفهومين ببناء جسر: الإنصاف يوفر الأعمدة والدعائم، بينما تمنح العدالة الجسر معناه الأخلاقي ووجهته الإنسانية.

إن التحديات المناخية في الجنوب العالمي، وخاصة في إفريقيا، لا يمكن مواجهتها إلا برؤية مزدوجة: تعترف بأهمية التوزيع العادل للموارد ليصبح العالم أكثر إنصافا، مع إشراك الشعوب وتمكين المتضررين ومحاسبة الملوثين لتحقيق غاية أسمى تتجلى في العدالة المناخية. من هنا، يصبح التمويل المناخي، وتثمين المعارف المحلية، ودمج المجتمعات المهمشة في صنع القرار، وتخفيض المديونية البيئية، عناصر لا غنى عنها لأي سياسة مناخية ذات بعد إنساني حقيقي.

يبقى |أن تحقيق الغايتين، الإنصاف والعدالة المناخيين، لا يتعلق فقط بتقليص درجات الحرارة أو تقنيات احتجاز الكربون، بل بمنظور جديد لعالم أكثر مساواة، تكون فيه البيئة في خدمة الإنسان، لا على حسابه.


*هي البنيات التي تم تصميمها أو تطويرها لتتحمل الصدمات والمخاطر المناخية أو البيئية أو الطبيعية، وتستمر في أداء وظائفها الحيوية حتى أثناء الكوارث أو بعد وقوعها، مع القدرة على التعافي السريع.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق