هل ينجح العالم في إصلاح الأزمات البيئية الحديثة ؟

ECO1717 مارس 2026

هل ينجح العالم في إصلاح الأزمات البيئية الحديثة ؟
أمين بوخويمة

ساهم اكتشاف العالمة الأميركية سوزان صالومون Susan Solomon، في وضع الأساس العلمي لاتفاقية بيئية تاريخية تمثلت في بروتوكول مونريال سنة 1987، والتي تهدف إلى التخلص التدريجي من المواد المستنزفة لطبقة الأوزون.

وتعتبر هذه الاتفاقية اليوم إحدى أنجح المعاهدات البيئية في التاريخ، بعدما أظهرت الدراسات العلمية أن طبقة الأوزون بدأت بالفعل تستعيد عافيتها تدريجيا بفضل الجهود الدولية المشتركة.

ذكرت سوزان صالومون في كتابها Solvable: How We Healed the Earth and How We Can Do It Again الصادر سنة 2004، عددا من التجارب البيئية الناجحة التي استطاع فيها العالم مواجهة التلوث وتحقيق نتائج ملموسة.

وأوضحت الباحثة، التي تشغل منصب أستاذة دراسات البيئة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن هذه النجاحات لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة التقاء ثلاثة عناصر رئيسية: البحث العلمي الدقيق، ووعي المجتمع، وإرادة سياسية قادرة على تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات عملية.

ولا يقتصر تحليلها على قضية الأوزون فقط، بل يشمل أيضا معارك بيئية أخرى خاضها العالم في العقود الماضية، وعلى رأسها مكافحة الضباب الدخاني في المدن الصناعية، وحظر مبيد الآفات DDT، إضافة إلى إزالة الرصاص من الوقود والطلاء، وهي خطوات ساهمت في تحسين جودة الهواء والصحة العامة في عدد من الدول. كما تشير إلى التعديل الأحدث على بروتوكول مونتريال المعروف بتعديل كيغالي*، والذي يستهدف تقليص استخدام غازات الهيدروفلوروكربون ذات التأثير القوي على الاحترار العالمي.

وأكدت الباحثة أن بعض هذه القضايا البيئية لعبت دورا مفصليا في تشكيل الحركة البيئية الحديثة، خصوصا في الولايات المتحدة، بعدما ساهم الجدل الواسع حول مبيد DDT في رفع الوعي العام بالمخاطر البيئية، بينما كشفت أزمة التلوث بالرصاص أن الأضرار البيئية غالبا ما تطال الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع بشكل أكبر. وفي الحالتين كان للضغط الشعبي والنشاط المدني دور حاسم في دفع الحكومات إلى تبني إصلاحات تنظيمية صارمة.

وسلطت الخبيرة البيئية الضوء على أهمية القيادة السياسية في إنجاح السياسات البيئية، مستشهدة بتجربة السيناتور الأميركي الراحل إدموند موسكي، الذي دافع بقوة عن تشريعات مكافحة التلوث وأصر على أن تستند القرارات السياسية إلى الأدلة العلمية.

وتؤكد هذه التجربة أن العلم وحده لا يكفي لإحداث التغيير، لكنه يظل الركيزة الأساسية التي يجب أن تبنى عليها السياسات البيئية، خاصة وأن التجارب التاريخية تشير إلى أن العالم قادر بالفعل على إصلاح بعض الأزمات البيئية عندما تتكامل المعرفة العلمية مع الضغط المجتمعي والإرادة السياسية.

لكن التحديات البيئية الحديثة، وعلى رأسها تغير المناخ، تبقى أكثر تعقيدا واتساعا، مما يجعل نجاح العالم في معالجتها رهين بقدرته على تكرار دروس الماضي وتوسيع نطاق التعاون الدولي.

———————-

* ويقصد به التعديل المعتمد سنة 2016 بمدينة كيغالي (رواندا)، والذي يهدف إلى التخفيض التدريجي لاستخدام مركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs) لما لها من تأثير كبير على ظاهرة الاحتباس الحراري.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق