لم يعد الحديث عن التغير المناخي في المغرب مجرد توصيف بيئي عام، بل بات مدعومًا بأرقام تعكس عمق التحول.
فحسب المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، يعيش أكثر من 37% من الساكنة القروية في مناطق تتأثر مباشرة بندرة المياه وتراجع الموارد الطبيعية، مع تسجيل انخفاض في التساقطات في الجنوب الشرقي بنسبة تقارب 20% خلال العقود الأخيرة.
وفي تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تُصنف الواحات في شمال إفريقيا ضمن “النظم البيئية الأكثر هشاشة مائيًا في حوض المتوسط”، حيث يمكن أن يتراجع الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 30 إلى 40% في حال استمرار موجات الجفاف.
قبل شروق الشمس بقليل، في أحد دواوير زاكورة، كانت خديجة تعرف تمامًا ماذا ينتظرها: ساقية ممتلئة، أرض رطبة، ونخيل يستقبل الضوء الأول بنوع من الطمأنينة.
اليوم، تغيّر كل شيء.
“لم نعد نعرف الفصول… ولم نعد نثق في الأرض كما كنا”، تقول وهي تشدّ منديلها وتستعد ليوم جديد، يبدأ من البحث عن الماء قبل أي شيء آخر.
في الواحات الممتدة على أطراف الصحراء في المغرب، لم يعد تغير المناخ فكرة بعيدة أو مفهومًا علميًا، بل صار واقعًا يوميًا يُقاس بكمية الماء في البئر، وبعدد الأشجار التي لم تصمد هذا العام.
خديجة: حين يصبح الماء رحلة يومية
تسير خديجة، الأربعينية، لمسافة تقارب كيلومترين يوميًا لجلب الماء. لم تكن هذه الرحلة جزءا من حياتها قبل سنوات قليلة، لكنها اليوم أصبحت “واجبًا لا مفر منه”.
“نخرج أنا وبناتي مع الفجر، لأن الشمس بعد ذلك لا تُحتمل”، تقول وهي تملأ أوعية بلاستيكية من نقطة ماء بعيدة.
لم يعد الماء يصل عبر السواقي التقليدية كما في السابق. تراجع منسوب المياه الجوفية، وتكرار سنوات الجفاف، جعلا نظام السقي التقليدي عاجزًا عن تلبية الحاجيات.
وبينما يشتد الضغط على الموارد، تتحول النساء إلى “مدبرات أزمة” داخل البيوت والحقول.
“أحسب الماء كما أحسب المال… كل قطرة لها حساب”، تضيف خديجة.
آسية: الأرض التي لم تعد تعطي
على أطراف واحة أخرى في زاكورة، تقف آسية، وهي في الخمسين من عمرها، وسط قطعة أرض صغيرة كانت مصدر عيش أسرتها.
“كنا نزرع القمح والخضروات… اليوم لا ينبت إلا القليل”، تقول وهي تشير إلى تربة متشققة.
تتذكر آسية سنوات كانت فيها الأرض “تُعطي بسخاء”، لكن الحرارة المرتفعة وتراجع التساقطات قلبت المعادلة.
“حتى النخيل بدأ يمرض… لم نكن نرى هذا من قبل”.
لم تعد الزراعة التقليدية كافية لضمان العيش، ما دفع الكثير من الأسر إلى البحث عن بدائل، أو الاعتماد على تحويلات الأبناء الذين هاجروا نحو المدن.
لكن بالنسبة لآسية، التي بقيت مرتبطة بالأرض، لم يكن الرحيل خيارًا.
“هذه أرضنا… حتى لو لم تُعطِ، لا نستطيع تركها”.
من زاكورة إلى فكيك: الجفاف بلغة أخرى
في واحات فكيك، تبدو القصة مختلفة في التفاصيل، لكنها متشابهة في الجوهر.
هنا، حيث كان نظام “الخطارات” التقليدي يُمثل عبقرية إنسانية في تدبير المياه، لم يعد قادرًا على مواكبة التغيرات المناخية المتسارعة.
زهرة، ستينية من إحدى قصور فكيك، تقف أمام بئر قديم، تنظر إلى عمقه الذي ازداد سنة بعد أخرى.
“كنا نعرف صوت الماء… اليوم نسمع الصمت”، تقول بابتسامة خفيفة تخفي قلقًا عميقًا.
تشرح أن المياه التي كانت قريبة من السطح، أصبحت اليوم بعيدة، ما يتطلب جهدًا أكبر وكلفة أعلى لاستخراجها.
“كل شيء تغيّر… حتى طعم الماء لم يعد كما كان”.
زهرة: ذاكرة الماء التي تتلاشى
بالنسبة لزهرة، لا يتعلق الأمر فقط بندرة المياه، بل بفقدان نمط حياة كامل.
“كنا نزرع ونأكل مما نزرع… اليوم نشتري كل شيء تقريبًا”.
هذا التحول لا يعكس فقط أزمة بيئية، بل تحولًا اجتماعيًا عميقًا يهدد استدامة المجتمعات الواحية.
ويشير الباحث إبراهيم الحاتمي إلى أن “ما تعيشه الواحات اليوم هو انتقال من نظام بيئي واجتماعي متوازن إلى وضع هش، حيث تتقاطع الضغوط المناخية مع التحولات الاقتصادية”.
فاطمة: التعاونية كمساحة أمل
في زاكورة، اختارت فاطمة، شابة في بداية الثلاثينيات، مسارًا مختلفًا. بدل الاستسلام لتراجع الزراعة، انخرطت في تعاونية نسائية لتثمين منتجات الواحة.
داخل غرفة بسيطة، تُرتب فاطمة منتجات من التمر، والأعشاب، ومشتقات محلية أخرى.
“لم نعد نعتمد فقط على الأرض… نحاول أن نصنع قيمة من ما لدينا”، تقول بثقة.
توفر التعاونية دخلًا محدودًا، لكنها تمثل مساحة للتضامن وإعادة بناء الأمل.
“نتعلم من بعضنا… ونبحث عن طرق جديدة لنستمر”.
المعرفة التقليدية: حين تتحول إلى استراتيجية بقاء
رغم قساوة الظروف، لا تخلو هذه المجتمعات من أدوات مقاومة.
فالنساء، بحكم ارتباطهن اليومي بالأرض والماء، يمتلكن معرفة دقيقة بطرق التكيف.
من اختيار أصناف زراعية تتحمل الجفاف، إلى تقنيات الاقتصاد في الماء، وصولًا إلى حفظ البذور المحلية، تشكل هذه المعارف رصيدًا مهمًا.
توضح فاطمة ياسين أن “هذه المعرفة ليست مجرد تراث، بل نظام بيئي متكامل، يمكن أن يلعب دورًا أساسيًا في مواجهة التغيرات المناخية”.
لكن هذا الرصيد يظل مهددًا بالاندثار، في ظل غياب التوثيق وضعف الاعتراف به في السياسات العمومية.
عبء غير متكافئ: المناخ بوجه نسائي
في كل القصص، يظهر خيط مشترك: النساء يتحملن العبء الأكبر.
من جلب الماء، إلى العمل في الحقول، إلى تدبير شؤون الأسرة، تتضاعف المسؤوليات في ظل تراجع الموارد.
“نشتغل أكثر… ونحصل على أقل”، تقول آسية باختصار يلخص الكثير.
هذا الواقع يعكس ما يسميه الباحثون “اللاعدالة المناخية”، حيث تتحمل الفئات الأكثر هشاشة آثار أزمة لم تكن سببًا فيها.
الحق في المعلومة: ما لا يُرى
إلى جانب التحديات البيئية، تواجه نساء الواحات صعوبة في الوصول إلى المعلومات.
لا توجد معطيات محلية دقيقة حول المياه، أو توقعات مناخية قابلة للاستخدام، أو برامج واضحة موجهة لهن.
“نعيش التغير… لكن لا أحد يشرح لنا ما يحدث”، تقول خديجة.
يرى الحاتمي أن “الحق في الوصول إلى المعلومات البيئية شرط أساسي للتكيف، لأنه يمكن المجتمعات من اتخاذ قرارات أفضل”.
بين الحلول المحلية والسياسات الغائبة
في زاكورة وفكيك، تظهر مبادرات محلية عديدة: تعاونيات، تقنيات تقليدية، محاولات للاقتصاد في الماء.
لكن هذه الجهود تظل محدودة، في غياب دعم مؤسساتي كافٍ.
“نحتاج إلى من يسمعنا… لا إلى من يتحدث عنا فقط”، تقول فاطمة.
وتبرز هنا الحاجة إلى سياسات تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الواحات، وتدمج النساء كفاعلات أساسيات، لا كمستفيدات فقط.
حين تكتب القصص في الأرض
في الواحات، لا تكتب القصص على الورق، بل في الأرض، وفي الوجوه التي تحمل آثار الشمس والانتظار.
خديجة، وآسية، وزهرة، وفاطمة… أسماء مختلفة، لكن القصة واحدة: صمود يومي في وجه مناخ يتغير بسرعة.
هذه ليست فقط حكايات عن المعاناة، بل عن القدرة على التكيف، وعن حلول تُبنى من داخل الهشاشة.
في زمن تتسارع فيه الأزمات البيئية، قد تكون الإجابات الأقرب للحياة هي تلك التي تُصاغ هنا، في أماكن تبدو هامشية، لكنها في الحقيقة تقف في قلب المعركة.
……………………………..
























عذراً التعليقات مغلقة