سلسلة “قصتي مع التراث”..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (الأخيرة)

ECO1729 أغسطس 2025
سلسلة "قصتي مع التراث"..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (الأخيرة)
د. أحمد الطلحي- خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

الحلقة 25: خاتمة السلسلة

خاتمة السلسلة هي أيضا، وكما بالنسبة للمقدمة، ستكون هي خاتمة الكتاب.

حاولت في هذا الكتاب أن أقتصر في الحديث على ما له علاقة في حياتي بالتراث، لكني وحتى أضع هذه العلاقة في إطارها العام ووفق سياق زمني، كان لا بد من التعرض لفترات من حياتي الشخصية ولبعض الأحداث التي عشتها.

وكما تبين، فإنني قسمت الكتاب ليس بحسب المراحل العمرية، ولكن بحسب مكان الإقامة، بحيث أقمت في أربع مدن، وهي: مدينة طنجة في المرحلة الأولى من حياتي لمدة 20 عاما وفي المرحلة الثانية لمدة 20 عاما أيضا، ومدينة فاس لمدة 15 عاما، ومدينة الرباط لمدة عام واحد، ومدينة مراكش لمدة ثلاثة أعوام. لكن، وبالنظر للزخم الكبير لأنشطتي في المرحلة الثانية التي أقمت فيها في طنجة (ولا زلت مقيما فيها) خصصت لها قسما كاملا وهو القسم الثاني من الكتاب، والقسم الأول للمراحل السابقة.

كانت علاقتي بالتراث في مرحلة إقامتي الأولى في طنجة علاقة التأثر بالتراث لا غير، وعدم القيام بأي عمل لحمايته أو تثمينه، بسبب أنها كانت مرحلة الطفولة وبداية الشباب، وبالتالي الوعي بموضوع التراث لم يكن قد تولد بعد. هذا التأثر كان نتاجا بصفة أساسية لعمل الوالد رحمه الله في السياحة وبعض من أفراد عائلتي، وكذلك عمل والدتي حفظها الله في الصناعة التقليدية وكذلك الأمر بالنسبة لعدد من نساء العائلة. طبعا وكجل المغاربة علاقتنا بالتراث علاقة قوية، تتجلى في أثاث وتجهيزات بيوتنا، وفي ملابسنا التقليدية، وفي عاداتنا وتقاليدنا، وفي فنوننا وصناعتنا التقليدية، وفي المدن العتيقة والمئات من القصور والقصبات والقلاع…

في المرحلة الثانية التي أقمت فيها في مدينة فاس، كانت هي المرحلة التي تولد لدي فيها حب التراث، خصوصا التراث المعماري، والإيمان بضرورة الحفاظ عليه وتثمينه لأنه يجسد هويتنا ويختزن ذاكرتنا التاريخية، وهو جزء من اقتصادنا بل يمكن أن يصبح قاطرة للتنمية إذا استثمرناه الاستثمار الأمثل. في البداية تأثرت بعظمة وجمالية مدينة فاس العتيقة وبتنوع وأصالة حرف الصناعة التقليدية بها، وبعد ذلك درست التراث وأنجزت بحوثي الأكاديمية حوله، وشاركت كاستشاري في عدد من الدراسات التي أنجزت لإنقاذه وتثمينه، كما قدمت دروسا لعدة أعوام حوله.

وفي المرحلة الثالثة التي أقمت فيها في مدينة مراكش، بعد تعييني فيها موظفا في وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، وكان تخصصي في التراث وأساسا في العمارة الإسلامية هو سبب تعييني في هذه المدينة التاريخية التي لا تقل مكانة من الناحية التراثية عن مدينة فاس. في هذه المرحلة وبالإضافة إلى استمرار اهتمامي واشتغالي بالتراث المعماري، تولد لدي أيضا الاهتمام بأهمية التراث الطبيعي وبضرورة الحفاظ عليه وتثمينه. لكن، في هذه المرحلة كان اهتمامي بالتراث أكثر في عملي الوظيفي الذي استحوذ على باقي الأنشطة.

عند عودتي للإقامة الدائمة في مدينتي طنجة، عدت وأنا أحمل معرفة واسعة بالتراث وتجارب وخبرة لا بأس بها في كيفية المحافظة على التراث وتثمينه، خاصة التراث المعماري والتراث الطبيعي. وترجم حماسي بالعناية بتراث مدينتي إلى أفعال ملموسة ومتنوعة، جزء منها كان عبر عملي الوظيفي، لكن الكثير منها كان من خلال أنشطتي الأكاديمية والثقافية والإعلامية والجمعوية وأنشطتي التي قمت بها في مرحلة التدبير في المجالس الجماعية التي كنت عضوا فيها.

الخلاصة، أنني راض والحمد لله على ما قدمته خدمة لتراث مدينتي وبلدي، بحسب الإمكانيات التي أتيحت لي والظروف التي عشتها، لكني لست راضيا أبدا على وضعية التراث في بلدي عموما وفي مدينتي طنجة خصوصا، بالرغم من كل المجهودات التي بذلت خصوصا في الأعوام الأخيرة. أمامنا الكثير من الأعمال المطلوبة للمحافظة على تراثنا وتثمينه، وفي مقدمتها تعميم الوعي بأهمية التراث وأهمية المحافظة عليه حتى يصبح ثقافة متجذرة عند نخبنا وعموم شعبنا على حد سواء. وهذا الأمر ليس بعسير، إذا حضرت العزيمة والإرادة، ويكفي الاقتداء بالدول التي لها باع في هذا المجال لتحقيق المراد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق