شهدت السنوات الاخيرة بروز ظاهرة مقلقة أطلق عليها خبراء الأعصاب والتكنولوجيا اسم تلف الدماغ أو تعفن الدماغ Brain rot، وهي حالة غير معترف بها رسميا من قبل التصنيفات الطبية، لكنها تلقى اهتماما واسعا بسبب تأثيرها المتزايد على القدرات المعرفية والنفسية، خاصة في صفوف الشباب والمراهقين. وقد اختارت موسوعة أوكسفورد هذا المصطلح ككلمة السنة بالنسبة ل2024، في إشارة إلى مدى تغلغل هذا المفهوم في النقاش العمومي.
يشير مفهوم تلف أو تعفن الدماغ إلى التدهور العقلي الناتج عن الاستعمال المفرط والمتكرر للهاتف الذكي، خصوصا عند استهلاك محتوى قصير وسريع وسطحي، مثل مقاطع تيك توك وانستغرام ويوتيوب شورتس. وقد لاحظ الباحثون أن هذا النمط من التصفح يؤدي إلى تراجع في التركيز والذاكرة، وزيادة الشعور بالقلق والتشتت الذهني، إضافة إلى انخفاض واضح في القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية.
يرتبط التلف الدماغي الرقمي بظاهرة تعرف بالتصفح السلبي المستمر أو ما يسمى بالانجليزية doomscrolling، حيث يقضي المستخدم ساعات طويلة في استهلاك أخبار سلبية أو محتويات ترفيهية بلا هدف، ما يؤدي الى استنزاف قدراته العقلية والنفسية.
وأظهرت دراسات حديثة نشرتها مواقع مثل heart.org وphysiciansweekly.com أن الأشخاص الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميا على شبكات التواصل معرضون لمشاكل إدراكية شبيهة بالخرف المبكر.
كما كشفت أبحاث أخرى في مجلة Frontiers in Human Neuroscience أن التعرض المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة يؤثر على توازن النشاط الكهربائي للدماغ ويقلص مدة الانتباه، وبينت دراسة أجريت على مراهقين أن استهلاك المحتوى السريع يضعف قدرتهم على معالجة المعلومات وتحليلها بعمق.
لا يقتصر الأمر على التاثير الإدراكي فقط، بل يتعداه إلى المجال النفسي، حيث سجلت منظمة nationwidechildrens.org ارتفاعا في معدلات القلق والاكتئاب لدى الشباب المرتبطين بهواتفهم الذكية بشكل مرضي. وأضافت أن النوم أيضا يتأثر بشكل كبير بسبب الاستخدام الليلي للهاتف، وهو ما يؤثر سلبا على إفراز الميلاتونين وجودة النوم العميق.
الفئات الأكثر عرضة لهذه الظاهرة هم المراهقون والشباب من جيل الألفية والجيل الرقمي، والذين ينخرطون في استعمال الهواتف الذكية منذ ساعات الصباح وحتى ما قبل النوم. ويشكل هؤلاء فئة هشة إدراكيا لأن أدمغتهم لا تزال في طور النمو والتكوين.
ولتفادي هذه المخاطر، ينصح الخبراء باتخاذ تدابير وقائية مثل تحديد وقت استعمال الهاتف، وإلغاء التطبيقات المشتتة، وتخصيص أوقات يومية لأنشطة غير رقمية مثل القراءة والمشي وممارسة الهوايات. كما يشدد الباحثون على أهمية مراجعة نوعية المحتوى المستهلك وعدم الانسياق وراء الفيديوهات السطحية التي قد تضر الدماغ دون أن يشعر الشخص بذلك.
رغم كون مصطلح تلف الدماغ لم يدخل بعد ضمن التصنيفات الطبية الرسمية، إلا أن الأدلة العلمية والسلوكية تشير بوضوح الى وجود مشكلة حقيقية تستحق المتابعة والوعي، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي نعيشها يوميا.




















عذراً التعليقات مغلقة