الحلقة السابعة
المبادئ الوقائية في الفقه الإسلامي: كيف سعى التشريع إلى منع الإضرار بالبيئة قبل وقوعه؟
`قراءة في كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي»: القواعد الفقهية التي اعتمدها العلماء لحماية البيئة ومنع الضرر`
بعد أن توقفنا في الحلقة السابقة عند بعض النوازل التي عالج فيها فقهاء الغرب الإسلامي قضايا تتعلق بتنظيم استعمال الموارد الطبيعية مثل الأرض والمياه، يتبين أن الفقه الإسلامي لم يكتف بتنظيم الانتفاع بهذه الموارد أو معالجة النزاعات التي قد تنشأ حولها، بل سعى أيضا إلى وضع مجموعة من المبادئ العامة التي تهدف إلى منع الإضرار قبل وقوعه.
ويشير الدكتور عبد الحكيم الشتيوي في كتابه، إلى أن هذا البعد الوقائي يمثل أحد الجوانب المهمة في التشريع الإسلامي، إذ لم يكن دور الفقهاء يقتصر على الفصل في النزاعات التي تعرض عليهم، بل كان يمتد أيضا إلى وضع قواعد عامة تهدف إلى حماية المجتمع من الأضرار المحتملة.
فالتشريع في هذا التصور لا يقوم فقط على معالجة المشكلات بعد وقوعها، بل يقوم كذلك على وضع ضوابط تحول دون حدوثها من الأصل. ولهذا اعتمد الفقهاء عددا من القواعد الفقهية الكبرى التي تشكل إطارا عاما لتنظيم العلاقات داخل المجتمع.
ولا تقتصر أهمية هذه القواعد على تنظيم العلاقات بين الأفراد فقط، بل يمكن أن تمتد أيضا لتشمل تنظيم علاقة الإنسان بالبيئة والموارد الطبيعية التي يعتمد عليها في حياته. فكل تصرف قد يؤدي إلى الإضرار بالآخرين أو إلى الإخلال بالتوازن في استعمال الموارد الطبيعية يدخل ضمن دائرة المنع أو التقييد.
ومن هنا يظهر أن الفقه الإسلامي يتبنى رؤية تقوم على الوقاية قبل العلاج، وهي رؤية تجعل حماية المجتمع والموارد الطبيعية جزءا من مقاصد التشريع.
وفي الجزء التالي سنتوقف عند أهم قاعدة فقهية جسدت هذا التوجه الوقائي في الفقه الإسلامي، وهي قاعدة » لا ضرر ولا ضرار«، التي شكلت أحد الأسس الكبرى في تنظيم العلاقات داخل المجتمع.
قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من تنظيم النزاع إلى منع وقوعه
كما أشرنا في الحلقات السابقة، فقد اعتمد فقهاء الغرب الإسلامي في كثير من اجتهاداتهم على القاعدة الفقهية المعروفة »لا ضرر ولا ضرار«، وهي القاعدة التي شكلت أساسا مهما في معالجة عدد من النوازل المرتبطة بالعمران واستعمال الموارد الطبيعية.
وقد ظهرت تطبيقات هذه القاعدة في النوازل التي تناولت تنظيم العلاقة بين الجيران، أو في القضايا المرتبطة باستعمال المياه والأراضي الزراعية، حيث كان الفقهاء يمنعون كل تصرف يؤدي إلى الإضرار بالغير أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
غير أن أهمية هذه القاعدة لا تقتصر على دورها في حل النزاعات بعد وقوعها، بل تتجاوز ذلك إلى كونها تمثل أحد الأسس التي يقوم عليها البعد الوقائي في الفقه الإسلامي. فالفقيه لا ينتظر وقوع الضرر حتى يتدخل لمعالجته، بل يسعى أيضا إلى منع التصرفات التي قد تؤدي إليه من الأصل.
ولهذا فإن حق الإنسان في الانتفاع بملكه أو في استغلال الموارد المتاحة له ليس حقا مطلقا، بل هو حق مقيد بعدم الإضرار بالآخرين أو بالمصلحة العامة. ومن خلال هذا المبدأ يضع الفقه الإسلامي حدودا واضحة للتصرفات الفردية إذا كانت تؤدي إلى الإخلال بالتوازن داخل المجتمع.
ومن هنا يمكن القول إن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» لا تمثل فقط قاعدة لمعالجة النزاعات، بل تشكل أيضا أداة تشريعية تهدف إلى حماية المجتمع والموارد الطبيعية من الأضرار المحتملة قبل وقوعها.
وفي الجزء التالي سنتوقف عند قاعدة فقهية أخرى لا تقل أهمية في هذا الإطار الوقائي، وهي قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لنرى كيف وظفها الفقهاء في حماية المصالح العامة وتنظيم علاقة ال درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
إلى جانب قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» التي سبق أن أشرنا إليها في الحلقات السابقة، اعتمد الفقه الإسلامي على قاعدة أخرى لا تقل أهمية في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، وهي قاعدة “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح :تقوم هذه القاعدة على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في دلالته، وهو أن منع الضرر والفساد أولى من تحقيق بعض المنافع التي قد يترتب عليها إضرار بالمجتمع أو بالمصلحة العامة. ولهذا اعتبر الفقهاء أن دفع المفاسد يمثل أولوية في التشريع إذا تعارضت المصالح مع الأضرار المحتملة.
ويشير الدكتور عبد الحكيم الشتيوي إلى أن هذا المبدأ كان حاضرا في كثير من اجتهادات الفقهاء في الغرب الإسلامي، خاصة في القضايا التي تتعلق باستعمال الموارد الطبيعية أو بتنظيم المجال العمراني. فالفقيه كان ينظر في العواقب المحتملة لبعض التصرفات، فإذا تبين أن منفعتها قد تقود إلى ضرر أكبر، فإن الحكم يميل إلى منعها أو تقييدها.
ومن خلال هذا المنطق يتضح أن الفقه الإسلامي لم يكن يتعامل مع القضايا المرتبطة بالبيئة أو بالعمران تعاملا جزئيا، بل كان ينظر إليها في إطار المصلحة العامة للمجتمع. ولهذا فإن بعض التصرفات التي قد تبدو نافعة على المستوى الفردي يمكن أن تمنع إذا كان من شأنها أن تؤدي إلى إضرار بالآخرين أو إلى الإخلال بالتوازن في استعمال الموارد الطبيعية.
ويكشف هذا المبدأ عن بعد وقائي واضح في التشريع الإسلامي، لأنه يقوم على التفكير في نتائج الأفعال قبل وقوعها، وليس فقط على معالجة آثارها بعد حدوثها.
سد الذرائع وحماية المصلحة العامة
ومن القواعد التي تعزز هذا التوجه الوقائي في الفقه الإسلامي أيضا قاعدة “سد الذرائع”، وهي قاعدة تقوم على منع الوسائل التي قد تؤدي إلى نتائج ضارة حتى وإن كانت في أصلها مباحة.
فالفقيه في هذا التصور لا يكتفي بالنظر إلى الفعل في ذاته، بل ينظر أيضا إلى ما قد يترتب عليه من نتائج. فإذا تبين أن بعض الممارسات قد تقود إلى الإضرار بالمجتمع أو بالمصلحة العامة، فإنه يمكن تقييدها أو منعها سدا للذرائع التي قد تؤدي إلى الفساد.
وقد كان لهذا المبدأ دور مهم في تنظيم عدد من القضايا المرتبطة بالحياة اليومية في المجتمعات الإسلامية، لأنه يسمح للفقيه بالتدخل قبل وقوع الضرر إذا ظهرت مؤشرات تدل على احتمال حدوثه.
ومن خلال هذه القواعد الفقهية (مثل قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقاعدة سد الذرائع)، يتضح أن الفقه الإسلامي لا يقوم فقط على تنظيم العلاقات بين الناس، بل يسعى أيضا إلى حماية التوازن داخل المجتمع ومنع كل ما قد يؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العامة.
كما أن هذه القواعد تمنح الفقه قدرة كبيرة على التعامل مع القضايا المتجددة، لأنها تقدم مبادئ عامة يمكن تطبيقها في مجالات متعددة، من بينها القضايا المرتبطة بالبيئة واستعمال الموارد الطبيعية.
تكشف قراءة تراث النوازل في الغرب الإسلامي عن أن الفقه الإسلامي لم يقتصر على معالجة النزاعات التي قد تنشأ بين الناس، بل سعى أيضا إلى وضع قواعد عامة تهدف إلى منع الضرر قبل وقوعه. وقد شكلت القواعد الفقهية الكبرى إطارا تشريعيا يسمح بتنظيم العلاقات داخل المجتمع وحماية المصالح العامة.
ومن خلال هذه المقاربة الوقائية يظهر أن التشريع الإسلامي يتضمن رؤية متوازنة لعلاقة الإنسان ببيئته، تقوم على الجمع بين حق الانتفاع بالموارد الطبيعية وبين ضرورة الحفاظ عليها ومنع الإضرار بها.
ولهذا فإن هذا التراث الفقهي لا يمثل مجرد سجل تاريخي لاجتهادات صدرت في سياق اجتماعي معين، بل يمكن أن يشكل أيضا مرجعا مهما للتفكير في القضايا البيئية المعاصرة، خاصة في ما يتعلق بوضع سياسات وتشريعات تهدف إلى حماية البيئة وضمان حسن استعمال مواردها.
وفي الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة سنتوقف عند سؤال أوسع يتعلق بكيفية الاستفادة من هذا التراث الفقهي في بناء رؤية معاصرة لعلاقة الإنسان بالبيئة، تقوم على تحقيق التوازن بين حاجات التنمية ومتطلبات الحفاظ على الطبيعة.






















عذراً التعليقات مغلقة