حين يختبر المطر الجاهزية: التساقطات الغزيرة تضع الجميع أمام المسؤولية

ECO174 فبراير 2026
حين يختبر المطر الجاهزية: التساقطات الغزيرة تضع الجميع أمام المسؤولية
عزيزة مخشان

كشفت الأمطار الغزيرة التي عرفها شمال المغرب خلال يناير وفبراير 2026 عن واقع معقد يتجاوز مشهد التساقطات القوية والوديان الممتلئة، ليضع إدارة المخاطر المناخية في صلب النقاش العمومي؛ فقد تزامنت هذه الامطار مع تحذيرات رسمية متكررة، وتدخلات ميدانية واسعة، وسلوكيات مواطنة متباينة، ما جعل الخسائر المحتملة رهينة بمدى التنسيق بين القرار العمومي والوعي الفردي.

أطلقت السلطات المختصة نشرات انذارية مبكرة عبر المديرية العامة للأرصاد الجوية، محذرة من تساقطات قوية وفيضانات محتملة بعدد من أقاليم طنجة تطوان الحسيمة واللوكوس. هذه النشرات، التي صنفت في مستويات متقدمة من الخطورة، شكلت الآلية الأولى للاستباق، ووفرت معطيات زمنية ومجالية دقيقة ساعدت على تهييء تدخلات لاحقة.

فيما عبأت وزارة الداخلية وباقي القطاعات المعنية أجهزتها الميدانية فور ارتفاع منسوب المخاطر، حيث جرى تفعيل لجان إقليمية لليقظة، وتأمين المحاور الطرقية، ومراقبة وضعية السدود والأودية، مع اتخاذ قرار تفريغ وقائي لبعض المنشآت المائية. هذا التدخل عكس انتقالا نسبيا من منطق رد الفعل إلى منطق التدبير الاستباقي، خاصة في المناطق المعروفة بهشاشتها أمام الفيضانات.

وتدخلت الوقاية المدنية والقوات المساعدة بشكل مباشر في عدد من النقاط السوداء، عبر إنقاذ محاصرين، وضخ المياه من الأحياء المنخفضة، وتأمين محيط المؤسسات التعليمية والبنيات الحساسة. وسجلت هذه التدخلات حضورا لافتا في القصر الكبير، العرائش، تطوان، وشفشاون، حيث تكررت مشاهد السيول المفاجئة.

كما أبرزت الأمطار أيضا محدودية البنية التحتية الحضرية في استيعاب كميات كبيرة من المياه خلال وقت وجيز، خاصة في المدن التي توسعت عمرانيا دون ملاءمة شبكات التصريف مع التحولات المناخية؛ فقد عادت مظاهر انسداد البالوعات وغمر بعض الشوارع لتطرح سؤال الاستثمار الوقائي قبل الكوارث، لا بعدها.

أما ردود أفعال الساكنة، فقد طرحت سلوكيات بعض المواطنين إشكالا موازيا رغم كثافة التحذيرات الرسمية، حيث رصدت حالات مجازفة بعبور الأودية، أو التنقل أثناء الذروة المطرية، أو الاقتراب من مجاري المياه بدافع الفضول أو التعود. هذا السلوك، الذي تكرر في أكثر من منطقة، كشف فجوة بين توفر المعلومة واستيعاب خطورتها.

وعكست مبادرات تضامنية محلية وجها آخر للوعي المجتمعي، إذ بادر سكان أحياء وجمعيات إلى التنبيه المبكر، ومساعدة المتضررين، وتنظيم تدخلات بسيطة ومهمة في آن واحد للحد من الأضرار. وهي مبادرات أكدت أن المجتمع، حين يمتلك المعرفة والأدوات، يتحول من عنصر هشاشة إلى عنصر دعم في تدبير الأزمات.

لقد فرض السياق المناخي المتقلب إعادة التفكير في مفهوم الطوارئ، باعتبارها وضعا مرشحا للتكرار لا استثناء عابرا؛  فالتقارير والتحليلات التي رافقت أمطار 2026 ربطت ما جرى بتغيرات مناخية أعمق، ما يستدعي سياسات طويلة النفس تجمع بين التخطيط، التوعية، والاستثمار في الوقاية.

ويؤكد ما عاشه شمال المغرب أن إدارة المخاطر مسؤولية مشتركة، تبدأ بقرار عمومي واضح وسريع، وتكتمل بسلوك مواطن واع ومسؤول؛ فحين يلتقي الإنذار المبكر بالالتزام الفردي، تتحول الأمطار من تهديد إلى اختبار يمكن تجاوزه بأقل الخسائر.

ينبهنا هذا الدرس المناخي المتكرر إلى كون حماية الأرواح لا ترتبط فقط بقوة التجهيزات، بل أيضا بثقافة الوقاية، وثقة المواطن في المعلومة الرسمية، واستعداده لتغيير سلوكيات يومية اعتاد عليها رغم خطورتها.

اذا ر

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق