المحور الثاني: اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا – السيادة على الموارد وتقاسم المنافع
أقرت اتفاقية التنوع البيولوجي، المعتمدة في ريو دي جانيرو سنة 1992، بأن حماية التنوع البيولوجي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال إدارة مستدامة للغابات والموارد الطبيعية، باعتبارها الحاضنة الأساسية لأكثر من 80% من الكائنات البرية على الكوكب [10].
وتعد هذه الاتفاقية أول وثيقة دولية كرست مبدأ السيادة الوطنية على الموارد الجينية، إذ نصت في مادتها الخامسة عشرة على أن «السلطة على الموارد الطبيعية تعود إلى الدول وتخضع لسيادتها، وأن تقرير شروط الحصول على الموارد الجينية يخضع لتشريعاتها الوطنية ويستلزم موافقة مسبقة عن علم من الدولة المزودة ووفق شروط عادلة ومنصفة».
غير أن التطبيق العملي لهذا المبدأ كشف عن فجوة بين الدول الغنية بالتنوع البيولوجي (غالبا من الجنوب) والدول المستفيدة من موارده الجينية (غالبا من الشمال)، خصوصا في ظل غياب قواعد واضحة لتقاسم المنافع الناشئة عن استغلال تلك الموارد في الصناعات الدوائية والزراعية. فقد استغلت شركات متعددة الجنسيات موارد الدول النامية دون إشراكها في الأرباح أو نقل التكنولوجيا إليها، مما أفرز إشكالية ما سمي لاحقا بـالقرصنة البيولوجية Biopiracy.
ولتجاوز هذا الخلل، أنشأت الأطراف في الاتفاقية فريق العمل المعني بالوصول وتقاسم المنافع سنة 2001، والذي أفضى إلى اعتماد بروتوكول ناغويا في 29 أكتوبر 2010 باليابان [11]. ويعد هذا البروتوكول أداة قانونية ملزمة تهدف إلى ضمان الوصول المنظم إلى الموارد الجينية والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدامها.
فقد نص في مادته السادسة على أن يكون الحصول على الموارد الجينية خاضعا لـالموافقة المسبقة عن علم من الدولة المزودة، وأن يتم التقاسم وفق شروط تعاقدية متفق عليها بين الأطراف، سواء كانت هذه المنافع مالية (إتاوات، عوائد تسويق، ملكية فكرية مشتركة) أو غير مالية (نقل التكنولوجيا، التدريب، المشاركة في البحث).
وترتبط هذه المقاربة ارتباطا مباشرا بالغابات، لأن الغابات المدارية والجبلية تعد الخزان الأكبر للموارد الجينية على الكوكب، ولأن المجتمعات المحلية، ولا سيما الشعوب الأصلية، هي الحارسة التاريخية لتلك المعارف التقليدية. وقد نصت المادة السابعة من بروتوكول ناغويا على أن «يتخذ كل طرف، وفقا لتشريعاته الوطنية، التدابير اللازمة لضمان الحصول على المعارف التقليدية المرتبطة بالموارد الجينية التي تحوزها المجتمعات الأصلية والمحلية بموافقة مسبقة عن علم ومشاركة فعالة من هذه المجتمعات، وعلى أساس شروط متفق عليها بصورة منصفة».
وبذلك، يؤكد البروتوكول على احترام المعارف والممارسات التقليدية وضمان مشاركة حامليها في المنافع الناشئة عن استغلال الموارد الواقعة ضمن أراضيهم أو في بيئاتهم التقليدية. ويشكل هذا المبدأ خطوة نوعية في مسار العدالة البيئية، لأنه يربط بين الحق في التنمية والحق في الانتفاع المتوازن من الثروات الطبيعية، ويدرج البعد الاجتماعي ضمن معادلة الحماية البيئية.
كما أن العلاقة بين اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا تمثل مرحلة مفصلية في مسار تطور القانون الدولي للغابات. فبدل أن تظل الغابات مجرد موئل طبيعي للتنوع البيولوجي، أصبحت عنصرا في منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، من خلال مبدأ “السيادة المقيدة بالمسؤولية المشتركة”. فالاتفاقية تمنح الدول حق الإدارة، لكنها تلزمها في الوقت نفسه بضمان الاستخدام المستدام وتقاسم الفوائد بعدالة.
وتتقاطع هذه المقاربة مع ما ورد لاحقا في اتفاقيتي كيوتو وباريس، من حيث السعي إلى تحقيق العدالة البيئية بين الشمال والجنوب عبر تفعيل مفهوم “الاقتصاد الإيكولوجي العادل” الذي يجعل من الغابة ركيزة للسيادة البيئية المشتركة. وبهذا الانتقال، تم تثبيت الغابات ضمن المنظومة القانونية الدولية لا كموضوع حماية فحسب، بل كمصدرٍ للتنمية المستدامة والتوازن المناخي.






















عذراً التعليقات مغلقة