تشير التقديرات إلى أن القارة الإفريقية تمتلك واحدة من أكبر الإمكانات غير المستغلة في العالم في مجال طاقة الرياح، ما يجعل منها مرشحا قويا للعب دور محوري في التحول الطاقي العالمي. إلا أن التفاوت الكبير بين التقديرات التقنية والإمكانات القابلة للتطبيق فعليا يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا القطاع في القارة، والإطار الواقعي لتقييمه.
تظهر دراسة صادرة عن مؤسسة التمويل الدولية IFC والبنك الدولي أن إفريقيا يمكنها نظريا توليد أكثر من 180 ألف تيراواط في الساعة سنويا من طاقة الرياح، وهو ما يمثل 250 ضعف احتياجاتها الحالية من الكهرباء. هذا الرقم يعكس الإمكانات الفنية الصرفة، أي قدرة القارة على توليد الطاقة من المواقع التي تتوفر فيها سرعة رياح كافية تفوق 7.5 أمتار في الثانية، دون اعتبار العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية. بعبارة أخرى، يمثل هذا السيناريو حدا أقصى من الناحية النظرية لما يمكن تحقيقه باستخدام أحدث ما توفره التكنولوجيا، وفي بيئة مثالية خالية من القيود.
لكن عند الانتقال من النظرية إلى التطبيق، تختلف الصورة بشكل كبير، ففي ظل التحديات القائمة المرتبطة بضعف البنية التحتية، وصعوبة التمويل، ومحدودية الربط الكهربائي، وعدم وضوح الأطر القانونية والتشريعية في العديد من الدول، تتقلص هذه الإمكانات الواقعية بشكل كبير. وتقدر بعض الدراسات أن القارة لا يمكنها اليوم، في ظل المعطيات الفعلية، استغلال أكثر من 14 ضعف حاجتها السنوية من الكهرباء عبر طاقة الرياح، وهو رقم يبقى مرتفعا ومبشرا، لكنه أكثر اتساقا مع الواقع.
هذا الفارق بين الإمكانات الفنية التي تصل إلى 250 مرة، والإمكانات القابلة للتنفيذ تجاريا التي لا تتجاوز 14 مرة، يفسر بوجود اختلاف جوهري في منهجيات التقييم. فبينما تأخذ التقديرات التقنية بعين الاعتبار المعايير الفيزيائية البحتة، تدمج التحليلات العملية اعتبارات أخرى كالتكلفة، وملكية الأراضي، والمعيقات الاجتماعية والبيئية، والمخاطر الاستثمارية، ومدى قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الإنتاج.
ومع ذلك، فإن القارة الإفريقية، وبفضل دول مثل المغرب ومصر وموريتانيا، بدأت في استغلال جزء من هذا المورد الواعد. فالمغرب، على سبيل المثال، نجح في تطوير مشاريع ضخمة في طرفاية والعيون، في حين تستثمر مصر في مزارع الرياح بخليج السويس وغرب النيل. أما موريتانيا، فتتميز بإمكانات واعدة، خصوصا في مناطقها الساحلية ذات الرياح القوية والثابتة.
تمثل طاقة الرياح فرصة استراتيجية لإفريقيا لتأمين حاجياتها الطاقية وتحقيق التنمية المستدامة. إلا أن ترجمة هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات ضخمة، وتعاونا إقليميا ودوليا لتجاوز الفجوة بين ما هو ممكن نظريا، وما هو قابل للتطبيق على الأرض.
٩




















عذراً التعليقات مغلقة