شهدت المدن المغربية، خصوصا الكبرى، تصاعدا في انتشار الكلاب الضالة، التي أصبحت تهدد سلامة المواطنين وصحتهم العامة. سجلت الحوادث سقوطا وعضا وإصابات جسدية ونفسية، وهو ما دفع السكان إلى المطالبة بتدخل عاجل وفعال من الجماعات الترابية والسلطات المحلية للحد من الظاهرة. تشير التقديرات المحلية إلى وقوع عشرات الحوادث سنويا في الشوارع المزدحمة، خصوصا على مقربة من المدارس والأسواق.
أظهرت الواقعة الأخيرة في أكادير، حين باغتت مجموعة من الكلاب الضالة مواطنا أثناء قيادته دراجته النارية وطاردته، فقدان السيطرة على الدراجة وسقوطه بشكل عنيف، مع تعرضه لكسر في اليد وإصابات جسدية استلزمت العلاج والمتابعة الطبية. رفع المواطن دعوى أمام المحكمة الإدارية بأكادير في يناير 2022، وأصدرت المحكمة حكمها الابتدائي بتعويض قدره خمسون ألف درهم، قبل أن تؤيده محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش في دجنبر 2024، ونفذ الحكم فعليا في يناير 2026.
أكدت المحكمة أن الجماعة الترابية تتحمل المسؤولية عن التقصير في اتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار الكلاب الضالة، وأن أي إهمال يعرض سلامة المواطنين للخطر يستوجب التعويض. وسجلت محكمة تازة حكما مماثلا في ماي 2025، حيث قضت بتعويض ثلاثة مواطنين تعرضوا لهجوم من كلاب ضالة بمبالغ تراوحت بين عشرين وثلاثة وعشرين ألف درهم، مع الاعتراف بالضرر الجسدي والنفسي الذي أصابهم.
وينص القانون المغربي على أن حارس الحيوان مسؤول عن الأضرار التي يسببها الحيوان، بينما تتحمل الجماعات الترابية أو العمالة المسؤولية في حالة الكلاب الضالة إذا ثبت التقصير في حماية المواطنين. تؤكد المادة 654 من القانون المدني أن كل شخص مسؤول عن الضرر الذي يلحقه الشيء الذي في حيازته أو سلطته، فيما تلزم القوانين الإدارية الجماعات الترابية باتخاذ التدابير الوقائية لحماية السلامة العامة، وتصبح الأحكام القضائية السابقة بمثابة سابقة تؤكد هذه المسؤولية.
فيما تعمل الحكومة على مجموعة من الإجراءات الاحترازية لمكافحة الظاهرة وحماية السكان، حيث أبرمت وزارة الداخلية اتفاقيات شراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والهيئة الوطنية للبيطرة لجمع الكلاب الضالة، وتعقيمها وتطعيمها ضد السعار وعلاج الطفيليات، ثم إعادة الحيوانات إلى بيئتها الأصلية بطريقة تراعي الرفق بالحيوان؛ كما أنشأت مستوصفات بيطرية مجهزة وفق المعايير الدولية تشرف عليها فرق طبية وبيطرية متخصصة، وتعتمد تقنية “اصطياد الكلاب الضالة لتعقيمها ثم إعادتها إلى بيئتها الأصلية” لمراقبة أعداد الكلاب الضالة وضمان السلامة العامة، مدعومة بنظام معلوماتي لإدارة العملية بكفاءة. كما رصدت الدولة 80 مليون درهم لتعميم المستوصفات على مستوى عدة مدن، إضافة إلى برنامج لإحداث 130 مكتبا جماعيا لحفظ الصحة بغلاف مالي مليار و40 مليون درهم، الذي من المنتظر أن يحقق تغطية وطنية كاملة مع نهاية 2025 مقابل 18% فقط سنة 2018. ويتركز البرنامج على مكافحة السعار وحماية الحيوانات الضالة، مع توفير اللقاحات والأمصال اللازمة، ودعم الجماعات لتحسين النظافة وإنشاء وتجهيز مجازر اللحوم والأسواق ومطارح النفايات. كما أعدت الحكومة مشروع مرسوم تطبيقي للقانون رقم 56.12 المتعلق بالوقاية وحماية الأشخاص من أخطار الكلاب، مع احترام مبدأ الرفق بالحيوان.
فيما طبقت العديد من الدول استراتيجيات ناجحة للحد من الكلاب الضالة عبر برامج القبض، التعقيم، التطعيم، وإعادة الإدماج أو التبني. اعتمدت تركيا برامج واسعة النطاق، أنشأت البرازيل ملاجئ مجهزة وبرامج تبني وتوعية، فيما اعتمدت فرنسا قوانين صارمة ضد التخلي عن الحيوانات وبرامج تبني وتعقيم إلزامية، ويمكن للمغرب الاستفادة من هذه التجارب مع مراعاة البنية التحتية المحلية والموارد المتاحة.
وتساهم جمعيات الرفق بالحيوان في المغرب بدور محوري، من جمع الكلاب الضالة إلى توفير الرعاية الطبية وتوعية المواطنين حول تربية الحيوانات بمسؤولية. كما أثبت التعاون بين هذه الجمعيات والجماعات الترابية فعاليته في تقليل المخاطر وتحسين صورة المدن، مما يعكس أهمية الشراكة بين السلطات والمجتمع المدني.
وتوضح هذه الوقائع أن ظاهرة الكلاب الضالة أصبحت تمثل خطرا فعليا على سلامة المواطنين وصحة العموم. الحل يتطلب إطارا قانونيا واضحا، تدخلا فعالا من الجماعات الترابية، دورا نشطا للمجتمع المدني، واستفادة عملية من التجارب الدولية، لضمان مدن آمنة وصحية لجميع السكان، مع حماية الفئات الأكثر ضعفا مثل الأطفال وكبار السن.




















عذراً التعليقات مغلقة