الاقتصاد الأزرق.. كيف أصبح البحر اقتصاد المستقبل؟

ECO1719 نوفمبر 2025
الاقتصاد الأزرق.. كيف أصبح البحر اقتصاد المستقبل؟
خديجة مبتسم

منذ أن بدأ العالم يدرك أن الموارد البرية لم تعد كافية لتلبية حاجات التنمية المتزايدة، تحول البحر من فضاء مجهول إلى أفق جديد للابتكار الاقتصادي. ومن هذا التحول ولد مفهوم الاقتصاد الأزرق، الذي يجمع بين حماية النظم البيئية البحرية وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

إنه تصور يقوم على فكرة أن البحر ليس مجرد مورد طبيعي، بل فضاء إنتاجي قادر على خلق الثروة والوظائف إذا تمت إدارته بطريقة عقلانية ومتوازنة.

ظهر المصطلح بشكل رسمي في الخطاب الدولي خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو دي جانيرو سنة 2012، حين دعت الدول الساحلية والجزرية إلى اعتبار المحيطات جزءا من الحل لا من المشكلة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الاقتصاد الأزرق ركيزة في سياسات العديد من الدول والمنظمات، وعلى رأسها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي تبنت جميعها مقاربة تعتبر أن حماية البحر شرط للتنمية لا عائقا أمامها.

قدرت الأمم المتحدة القيمة الاقتصادية للأنشطة البحرية في العالم بنحو 899 مليار دولار سنة 2023، أي ما يعادل تقريبا 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتشمل هذه الأنشطة الصيد البحري، والنقل والموانئ، والسياحة الساحلية، وتربية الأحياء المائية، إلى جانب قطاعات ناشئة كطاقات الرياح البحرية، واستغلال الموجات والتيارات، والتكنولوجيا الحيوية المستمدة من الكائنات البحرية. وتشغل هذه الأنشطة مجتمعة عشرات الملايين من الأشخاص حول العالم، وتوفر مصدر رزق مباشر لأكثر من ثلاثة مليارات نسمة يعتمدون جزئيا أو كليا على البحر.

لا يقتصر الاقتصاد الأزرق، بهذا المعنى، على الأنشطة الاقتصادية بل يقوم على ثلاثة أركان أساسية: أولها الاستدامة البيئية التي تضمن الحفاظ على النظم البحرية؛ وثانيها الجدوى الاقتصادية التي تخلق الثروة دون استنزاف الموارد؛ وثالثها العدالة الاجتماعية التي تتيح للساكنة الساحلية نصيباً من التنمية والفرص. وتعمل الحكومات حاليا على الموازنة بين هذه الأبعاد عبر تشجيع الاستثمارات الخضراء، وتبني الموانئ الذكية، وتشديد الرقابة على أنشطة الصيد والاستخراج البحري.

وقد أدركت الدول الساحلية أن الاستثمار في البحر لا يعني فقط استخراج الثروات، بل تطوير اقتصاد المعرفة المرتبط به: كالمعاهد البحرية، ومراكز البحث في علوم المحيطات، والتكوين المهني في الملاحة واللوجستيك والطاقة.

فدول مثل البرتغال وكوريا الجنوبية والنرويج أصبحت نماذج عالمية في هذا المجال، إذ تمكنت من جعل البحر قاعدة لصناعاتها الطاقية والبيئية والسياحية، محققة بذلك توازنا بين حماية الطبيعة وتحفيز النمو.

في المقابل، يشهد العالم النامي، وخاصة إفريقيا وآسيا الجنوبية، سباقا متزايدا نحو تبني هذا التوجه. ففي إفريقيا، يقدر حجم الاقتصاد الأزرق بحوالي 275 مليار يورو ويؤمن أكثر من 49 مليون فرصة عمل، ما يجعله أحد أعمدة التنمية القارية المقبلة. غير أن ضعف الحكامة البحرية وقلة التمويل والبنية التحتية ما زالت تحد من إمكاناته، رغم وجود تجارب رائدة مثل سيشيل التي أطلقت أول سندات زرقاء في العالم لتمويل مشاريع بحرية مستدامة.

من جهة أخرى، تواجه البشرية تحديات كبرى تجعل من الاقتصاد الأزرق ضرورة وجودية أكثر منه خيارا اقتصاديا. فالتلوث البلاستيكي يهدد أكثر من ثمانية ملايين طن من النفايات سنويا في البحار، والتغير المناخي يرفع منسوب المياه ويقلل الإنتاج السمكي، فيما تتزايد الهجرات الساحلية نحو المدن الكبرى بسبب تدهور السواحل. لذلك أصبح البحر في نظر صانعي القرار مجالا للحياة والبقاء وليس فقط مصدرا للثروة.

إن الاقتصاد الأزرق يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمحيط، وينقله من منطق الاستغلال إلى منطق الشراكة؛ وهو اليوم يمثل أحد المسارات الاستراتيجية لتحقيق التوازن بين النمو وحماية البيئة، خاصة مع تزايد الطلب على الغذاء والطاقة وفرص الشغل.

وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن الدول التي ستحسن استغلال مواردها البحرية بطريقة ذكية ومستدامة، هي التي ستقود الاقتصاد العالمي في العقود القادمة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق