أعاد التقرير السنوي الأخير لـالمجلس الأعلى للحسابات، الصادر في 23 من يناير الجاري، وضع موضوع تعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية تحت مجهر تقييم السياسات العمومية، في سياق يتسم بتفاقم الإجهاد المائي وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية.
وسجل التقرير وجود فجوة على مستوى التخطيط الاستراتيجي، إلى جانب تحديات مرتبطة بكفاءة تنفيذ البرامج والمشاريع الموجهة لتعبئة هذه الموارد، رغم ما تم إطلاقه من أوراش خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجال تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
وفي هذا الإطار، أوصى التقرير بوضع استراتيجية مندمجة ومتوافق عليها لتعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية، تشمل مختلف الجوانب المرتبطة بها، ولا سيما التمويل، واستدامة النموذج الاقتصادي، والاعتماد على الطاقات المتجددة، والاستعمال في القطاع الفلاحي، إلى جانب تطوير منظومة صناعية خاصة بهذا المجال، مع الاستغلال الأمثل للقدرات المنجزة.
كما شدد التقرير على ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي المنظم لتعبئة هذه الموارد، في ظل تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات، داعيا إلى تسريع وتيرة إنجاز مشاريع محطات التحلية وبرامج إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، مع مراجعة الأهداف المسطرة ضمانا لاستغلال أمثل للإمكانات المتوفرة.
وسجل التقرير، في سياق التحديات البيئية، ضعف مردودية شبكات توزيع المياه الصالحة للشرب، خاصة شبكات توزيع المياه المحلاة، حيث بلغت المردودية الوطنية حوالي 78 % سنة 2024، وهو ما لا ينسجم مع الكلفة المرتفعة لإنتاج هذا النوع من الموارد. وتوقع التقرير، في حال استمرار هذا الوضع، ضياع كميات مهمة من المياه المحلاة في أفق 2027، الشيئ الذي سوف يترتب عنه أثر مالي كبير.
وفي ما يتعلق بإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، أشار التقرير إلى وجود إكراهات تقنية وقانونية ومؤسساتية تحول دون تثمين هذا المورد بالشكل المطلوب، من بينها بطء إصدار النصوص التطبيقية، وارتفاع كلفة المعالجة التكميلية، وضعف ثقة المستعملين في جودة هذه المياه، إضافة إلى غياب آليات واضحة لتمويل مشاريع إعادة الاستعمال وتقاسم التكاليف بين المتدخلين.
وعلى مستوى الأهداف المستقبلية، أبرز التقرير الفارق بين الطموحات المعلنة والوتيرة الحالية للإنجاز، إذ يتطلب بلوغ الأهداف المسطرة في أفق 2030 تسريعا كبيرا في وتيرة إنجاز مشاريع التحلية، ورفعا ملموسا في حجم إعادة استعمال المياه المعالجة، مقارنة بالمستويات المسجلة حاليا.
ورغم هذه الاختلالات، أقر التقرير ببذل جهود مهمة خلال السنوات الأخيرة لتعزيز تعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية، خاصة من خلال إطلاق مشاريع استراتيجية في مجال تحلية مياه البحر، غير أنه شدد على أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بتحسين التخطيط الاستراتيجي، وتسريع الإصلاحات التنظيمية، وتعزيز الحكامة، بما يضمن التوازن بين الأمن المائي وحماية الموارد الطبيعية.
وفي ظل ما سجله التقرير من اختلالات وإكراهات، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة الاستراتيجية المندمجة المرتقبة على تسريع وتيرة تعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن المائي وحماية الموارد الطبيعية في أفق السنوات المقبلة.



















عذراً التعليقات مغلقة