رغم أن قمة باريس للطاقة النووية 2026 قدمت نفسها باعتبارها خطوة لتعزيز التحول نحو طاقة منخفضة الكربون، فإنها واجهت مجموعة من الانتقادات من قبل منظمات بيئية وخبراء في الطاقة وبعض المراقبين الدوليين. وقد تركزت هذه الانتقادات حول عدة محاور رئيسية تتعلق بالسلامة النووية، والتكلفة الاقتصادية، والاعتماد الجيوسياسي على الوقود النووي، إضافة إلى جدوى الطاقة النووية مقارنة بالطاقات المتجددة.
احتجاجات المنظمات البيئية
أبرز الانتقادات جاءت من المنظمات البيئية، وعلى رأسها منظمة غرينبيس، التي اعتبرت القمة محاولة لإحياء نموذج طاقي قديم بدل الاستثمار الكامل في الطاقات المتجددة. وقد شهد افتتاح القمة حادثة لافتة عندما اقتحم ناشطان من غرينبيس منصة المؤتمر ورفعا لافتات كتب عليها “الطاقة النووية تعني انعدام الأمن الطاقي”، كما اتهموا الدول الأوروبية بالاستمرار في شراء الوقود النووي من روسيا رغم الحرب في أوكرانيا. كما نظم نحو خمسة عشر ناشطا احتجاجات خارج مكان انعقاد القمة، معتبرين أن الترويج للطاقة النووية يتجاهل المخاطر البيئية المرتبطة بها.
الاعتماد على سلاسل التوريد النووية المرتبطة بروسيا
انتقد بعض الخبراء والسياسيين الأوروبيين استمرار اعتماد جزء من الصناعة النووية الغربية على الوقود النووي الروسي. فشركة روساتوم الروسية تمتلك نسبة كبيرة من قدرات تخصيب اليورانيوم في العالم، وهو ما يثير مخاوف من استمرار التبعية الجيوسياسية لروسيا في هذا القطاع رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها. وقد اعتبر منتقدو القمة أن هذا التناقض يضعف خطاب الاستقلال الطاقي الذي تروج له الدول المشاركة.
التكلفة المرتفعة للمفاعلات النووية
من الانتقادات المتكررة أيضا ارتفاع تكلفة بناء المفاعلات النووية الجديدة وطول مدة إنجازها. فعدد من المشاريع النووية الأوروبية واجه تأخيرات كبيرة وتضخما في الميزانيات، وهو ما يدفع بعض الخبراء إلى التساؤل حول مدى واقعية التعويل على الطاقة النووية لتلبية الطلب الطاقي في المدى القريب. كما أشار منتقدون إلى أن بعض الخطط التي أعلنت خلال القمة، مثل مشاريع بناء مفاعلات جديدة في فرنسا، ما زالت غير مؤكدة نهائيا بسبب التكاليف المرتفعة وتعقيدات التمويل.
المخاطر البيئية ومسألة النفايات النووية
تظل قضية السلامة النووية والتخلص من النفايات المشعة من أهم النقاط التي يثيرها المعارضون للطاقة النووية. فالنفايات النووية تبقى مشعة لآلاف السنين، ولا يزال العالم يبحث عن حلول نهائية لتخزينها بشكل آمن. كما يستحضر المنتقدون حوادث تاريخية مثل تشيرنوبيل وفوكوشيما باعتبارها دليلا على المخاطر التي قد تنتج عن أي خلل في تشغيل المفاعلات النووية.
التشكيك في جدوى النووي مقارنة بالطاقات المتجددة
هناك أيضا تيار من الخبراء في سياسات الطاقة يرى أن الاستثمارات الضخمة في الطاقة النووية قد تؤخر الانتقال نحو الطاقات المتجددة. ويؤكد هؤلاء أن تطوير الطاقة الشمسية والريحية وتخزين الكهرباء أصبح أقل تكلفة وأسرع تنفيذا مقارنة ببناء محطات نووية جديدة، لذلك يعتبرون أن التركيز على الطاقة النووية قد يبطئ التحول الطاقي بدل تسريعه.
تكشف هذه الانتقادات أن قمة باريس للطاقة النووية لم تكن مجرد حدث تقني حول الطاقة، بل كانت أيضا ساحة لنقاش عالمي حول مستقبل النظام الطاقي. فبينما ترى الحكومات المؤيدة أن الطاقة النووية جزء أساسي من الحل لمواجهة تغير المناخ وتأمين الكهرباء، يعتبر المعارضون أنها خيار مكلف ومحفوف بالمخاطر ويجب استبداله بالطاقات المتجددة. ولذلك يبدو أن الجدل حول دور الطاقة النووية في المستقبل الطاقي للعالم سيستمر خلال السنوات المقبلة.




















عذراً التعليقات مغلقة