يشهد سوق الشغل في المغرب تحولات عميقة مع بروز أنماط جديدة من التشغيل تُعرف بـ”الأشكال اللانمطية”، وهي أنماط فرضتها الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي المتسارع. في هذا السياق، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا حليليا حول هذه الظاهرة المتنامية، تحت عنوان “الأشكال اللانمطية للتشغيل والعلاقات المهنية: تحديات جديدة وفرص ناشئة”، مبرزا من خلاله التغيرات الجذرية التي أصبحت تطبع علاقات العمل في ظل التطور الرقمي والعولمة.
ويشير التقرير إلى أن هذه الأشكال اللانمطية تشمل العمل عن بعد، والعمل عبر المنصات الرقمية، والعمل لبعض الوقت. وهي أنماط توفر للمقاولات مرونة في تدبير مواردها البشرية وتتيح للعاملين فرصا لتحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والخاصة. غير أن المجلس يحذر من أن هذه الصيغ الجديدة، وعلى الرغم من إيجابياتها، تطرح تحديات حقيقية في ما يخص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملات والعاملين، خاصة في ظل غياب إطار قانوني وتنظيمي محكم.
في هذا الصدد، يوضح المجلس أن عددا كبيرا من الأشخاص الذين يشتغلون عبر التطبيقات الرقمية، مثل سائقي التوصيل وخدمات النقل، لا يستفيدون من التغطية الاجتماعية ولا من التأمين عن حوادث الشغل، كما لا يُعترَف بهم كأجراء رغم التزاماتهم المهنية المنتظمة. ويطرح هذا الوضع إشكالية قانونية كبيرة تتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء العاملين بالمنصات المشغِّلة، بين من يعتبرها علاقة تعاقدية مستقلة ومن يرى فيها علاقة شغل مأجور تستوجب الحماية.
من جهة أخرى، يعترف المجلس بأن التشريع المغربي الحالي، ممثلا في مدونة الشغل، لا يزال غير قادر على استيعاب هذه التحولات. فالمقتضيات القانونية القائمة لا تتناول صراحة العمل عبر المنصات أو العمل عن بعد أو العقود المرنة. وفي غياب نصوص واضحة، تبقى هذه الأشكال الجديدة من التشغيل في منطقة رمادية من حيث الحقوق والواجبات، ما يعمق هشاشة الفئات العاملة بها.
في ظل هذا الوضع، يدعو المجلس إلى ضرورة تحديث مدونة الشغل وتكييفها مع الواقع الجديد، من خلال وضع تعاريف دقيقة للأشكال الجديدة من التشغيل، وتأطير العلاقات التعاقدية المرتبطة بها، وضمان شروط الصحة والسلامة، وتمكين العاملين من الاستفادة من التغطية الاجتماعية والحماية القانونية. كما يشدد على أهمية ضمان الحق في التنظيم النقابي والحوار الاجتماعي لجميع الفئات، بغض النظر عن طبيعة عقودهم أو أماكن عملهم.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمغرب، بل هي جزء من تحولات عالمية تهم مستقبل العمل، وهو ما يستدعي أيضا تدخلا من المنظمات الدولية لإرساء معايير جديدة تواكب هذه الدينامية. ويؤكد المجلس أن التعامل مع هذه التحولات يتطلب إرادة سياسية وتشريعية حقيقية، لضمان العدالة الاجتماعية وحماية كرامة العاملين في ظل اقتصاد رقمي سريع.




















عذراً التعليقات مغلقة