تنطلق الرياضة، حين تمارس داخل المؤسسات السجنية، كأداة إدماج هادئة تتجاوز الترفيه نحو الاستثمار الاجتماعي طويل الأمد. ويبرز كأس إفريقيا للسجناء بالمغرب 2025-2026 بوصفه امتدادا إنسانيا لحدث قاري كبير، حيث تنتقل روح المنافسة إلى فضاءات غالبا ما تبقى خارج الضوء الإعلامي، مع ما يحمله ذلك من دلالات اجتماعية واقتصادية.
تؤكد المبادرة، التي تشرف عليها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، أن الرياضة داخل السجون تعمل على إعادة بناء الثقة وتنمية المهارات الذاتية. ويساعد هذا التوجه على التهيئة النفسية والاجتماعية لإعادة الإدماج، كما يساهم في تقليص كلفة الإقصاء لاحقا على مستوى النفقات العمومية وعلى مستوى التماسك الاجتماعي.
وسيحتضن السجن المحلي بتامسنا، ابتداء من يوم غد الخميس 25 دجنبر، دوريا مصغرا بمشاركة 150 نزيلا من 15 جنسية إفريقية، في مبادرة ترمز إلى الوحدة والتنوع الثقافي داخل فضاء إصلاحي. ويشمل البرنامج مؤسسات سجنية أخرى بكل من مراكش وطنجة وفاس والدار البيضاء وأكادير، مع تنظيم أنشطة بتنسيق مع فاعلين رياضيين محليين.
تتصل البطولة، من زاوية اقتصادية، بمنطق الاقتصاد الاجتماعي الذي يعتمد الوقاية بدل المعالجة. وتظهر التجارب المقارنة أن الأنشطة الرياضية المنتظمة داخل السجون تساعد على خفض معدلات العود، وهو ما يعمل على ترشيد الموارد العمومية وتحسين مردودية السياسات الاجتماعية، مع تحويل السجين إلى فاعل قابل للإدماج في الدورة الاقتصادية.
تنسجم المبادرة، في بعدها البيئي، مع خطاب الاستدامة المرتبط بتدبير المرافق العمومية. وتستثمر الملاعب والفضاءات الداخلية المتاحة دون إحداث بنى جديدة كثيفة الاستهلاك للموارد، كما يراعى ترشيد الماء والطاقة وتنظيم الأنشطة في أطر زمنية مضبوطة. ويجعل هذا التوجه من المؤسسة السجنية فضاء قابلا لتجريب ممارسات بسيطة ذات أثر بيئي إيجابي.
تواكب البطولة الزخم الوطني المصاحب لتنظيم كأس إفريقيا للأمم، غير أنها تنقل النقاش من الملاعب الكبرى إلى الهامش الاجتماعي. ويبرز هذا الامتداد أن الأثر الاقتصادي للبطولة القارية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات والبنيات التحتية، بل يقاس أيضا بقدرتها على إدماج فئات غير مرئية في دينامية التنمية.
وتعكس هذه المبادرة تحولا في مقاربة الحكامة، حيث تربط السياسة الجنائية بالسياسات الاجتماعية والبيئية. ويعاد تعريف وظيفة العقوبة لتعمل على الإصلاح والإدماج بدل الاقتصار على الردع، بما ينسجم مع منطق التنمية المستدامة الذي يضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.
تخلص التجربة المغربية، من خلال هذا الحدث، إلى أن الرياضة يمكن أن تعمل كجسر بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية والوعي البيئي. ويغدو كأس إفريقيا للسجناء نموذجا لتحويل حدث رياضي إلى أداة تفكير في مسار تنموي أكثر شمولا يخدم المجتمع ككل.




















عذراً التعليقات مغلقة