بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر الذي يحتفل به في 17 أكتوبر من كل سنة، صدر تقرير أممي جديد لسنة 2025 يكشف عن أبعاد غير مسبوقة للفقر في ظل تغير المناخ. فبينما تتجدد الدعوات إلى العدالة الاجتماعية والبيئية، يبين التقرير أن أربعة من كل خمسة فقراء في العالم يعيشون في مناطق تتعرض بشكل مباشر لمخاطر مناخية متفاقمة، أبرزها الحرارة الشديدة، والتلوث، والفيضانات، والجفاف.
أعد التقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، ضمن مؤشر الفقر العالمي متعدد الأبعاد 2025 تحت عنوان “Overlapping Hardships: Poverty and Climate Hazards”، الذي يربط للمرة الأولى بين بيانات الفقر والهشاشة البيئية في أكثر من 109 دولة.
الفقر المتعدد الأبعاد: حين تتقاطع هشاشة الإنسان مع هشاشة الكوكب
يعيش اليوم نحو 1,1 مليار شخص في فقر متعدد الأبعاد حاد، لا يقاس بالدخل فقط، بل بنقص التعليم والرعاية الصحية والسكن والخدمات الأساسية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نصف هؤلاء الفقراء من الأطفال، مما يجعل الفقر ظاهرة موروثة تتناسل عبر الأجيال. كما أوضح التقرير أن وتيرة خفض الفقر العالمي تشهد تباطؤا ملحوظا منذ 2024، وهو ما يعكس تأثير الأزمات المناخية والاقتصادية المتداخلة.
أرقام مناخية صادمة
بحسب التقرير، فإن 887 مليون فقير، أي ما يقارب 80٪ من فقراء العالم، معرضون مباشرة لأحد المخاطر البيئية الكبرى. ويتوزعون على النحو التالي:
-
608 ملايين يعيشون في مناطق تتجاوز فيها الحرارة 35 درجة مئوية لأكثر من 30 يوما في السنة،
-
577 مليونا يتنفسون هواء ملوثا بجسيمات دقيقة،
-
465 مليونا يعانون من تهديدات الفيضانات،
-
207 ملايين يواجهون موجات جفاف حادة.
كما يواجه 651 مليون شخص خطرين مناخيين أو أكثر في الوقت ذاته، و309 ملايين يتأثرون بثلاثة أو أربعة مخاطر مجتمعة، فيما يعيش 11 مليونا في مناطق تتقاطع فيها كل هذه التهديدات البيئية.
وتعد إفريقيا جنوب الصحراء بحوالي 565 مليون فقير، وجنوب آسيا بحوالي 390 مليون فقير، المنطقتين الأكثر هشاشة أمام هذا التداخل بين الفقر والمناخ.
من الإنذار إلى الفعل
قال القائم بأعمال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هاولينغ شو في تصريح مرفق بالتقرير:
لا أحد بمنأى عن آثار تغير المناخ، لكن أفقر الناس هم الأكثر تضررا. يجب أن يكون مؤتمر الأطراف الثلاثين COP30 في البرازيل فرصة لجعل العمل المناخي عملا مباشرا ضد الفقر.
ويضيف التقرير أن الفقراء ليسوا فقط ضحايا للعجز الاقتصادي، بل أيضا لإخفاقات مؤسساتية تجعلهم الأقل قدرة على التأقلم مع الكوارث. ومن هنا، يدعو التقرير إلى الانتقال من مجرد الوصف إلى التحرك السريع عبر خطط منسقة تدمج مكافحة الفقر بالسياسات المناخية.
نحو عدالة مزدوجة
يؤكد التقرير أن القضاء على الفقر ومواجهة تغير المناخ هدفان متكاملان لا يمكن الفصل بينهما. فالعدالة المناخية هي الوجه الجديد للعدالة الاجتماعية، ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التنمية المستدامة بينما يترك الأكثر هشاشة يواجهون وحدهم الحر والجفاف والتلوث.
ويرى الخبراء أن الحل لا يكمن في مزيد من النمو فحسب، بل في تنمية أكثر إنصافا، تضمن تمويلا عادلا للمناطق الأكثر تضررا، وتشرك الفقراء في صنع القرار بدل الاكتفاء باعتبارهم متلقين للمساعدة.
من الأرقام إلى الوجوه
لتجسيد هذه المعطيات، يعرض التقرير قصة ريكاردو من جماعة الغواراني في بوليفيا، الذي يعيش مع أسرته المكونة من 19 فردا في منزل صغير يهدده الجفاف والفيضانات. تجسد قصته معاناة الملايين من الأسر التي لا تعرف إن كانت ستخسر مصدر رزقها بسبب شح المياه أم ستشردها الفيضانات القادمة.
يأتي اليوم العالمي للقضاء على الفقر 2025 ليذكر بأن الفقر لم يعد مسألة دخل أو خدمات فحسب، بل قضية كوكبية تتقاطع فيها العدالة المناخية مع الكرامة الإنسانية. فالقضاء على الفقر اليوم يعني مواجهة الاحترار العالمي، وإرساء نظام إنساني جديد يوازن بين رفاه الإنسان واستدامة الأرض.




















عذراً التعليقات مغلقة