سلسلة شجرة الأرز بالمغرب.. تحديات الجفاف وآفاق الاستدامة(5/5)

ECO1726 يناير 2026
الأرز
إيمان بنسعيد

أفضت سلسلة المقالات هاته إلى إبراز أن وضعية شجرة الأرز الأطلسي بالمغرب لا يمكن فهمها من خلال مقاربة بيولوجية أو مناخية معزولة، بل تقتضي قراءة بيئية مركبة تراعي التفاعل البنيوي بين الشجرة ومحيطها الطبيعي، وخاصة البنية الجيولوجية ودينامية الموارد المائية، في سياق مناخي يتسم بتزايد حدة الجفاف وعدم انتظام التساقطات.

وقد مكن هذا المنظور من تجاوز التفسيرات الاختزالية التي ترجع تدهور الأرز حصريا إلى التغير المناخي، دون استحضار الأسس الطبيعية العميقة التي تتحكم في قدرة النظم الغابوية على الصمود أو الانهيار.

وأظهر التحليل أن مقاومة الأرز الأطلسي للجفاف ليست خاصية ذاتية مطلقة، بل نتاج توازن هش بين الخصائص الفيزيولوجية للشجرة، وقدرة التكوينات الجيولوجية الجبلية على تخزين المياه، واستمرارية تغذية التربة والفرشات الجوفية. وفي هذا الإطار، شكلت أعمال Robert P. Ambroggi مرجعا تأسيسيا في فهم العلاقة البنيوية بين الجيولوجيا والماء بالمجالات الجبلية وشبه الجافة بالمغرب، حيث أبرز أن استقرار الأغطية النباتية يظل رهينا بما سماه دينامية “الزمن المائي الباطني”، أي ذلك الإيقاع البطيء لتخزين المياه الجوفية وتحريرها، والذي يضمن استمرارية النظم البيئية خلال فترات العجز المطري.

ويبين هذا المعطى أن أي سياسة بيئية تغفل هذا البعد الهيدرولوجي العميق تظل عاجزة عن معالجة جذور التدهور الغابوي معالجة مستدامة.

كما بينت المقالات الأربعة السابقة أن التحولات المناخية الحديثة، ولا سيما تراجع التساقطات الثلجية وارتفاع درجات الحرارة، قد أضعفت آليات التكيف الطبيعية للأرز الأطلسي، من خلال تقليص فترة تغذية الموارد المائية، وتسريع الإجهاد المائي، وإضعاف التجدد الطبيعي. وقد أفضى هذا الوضع إلى اختلال البنية العمرية لغابات الأرز، وتراجع قدرتها على التعافي الذاتي، مما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر البيئية المستقبلية.

ويؤكد هذا الاستنتاج أن التغير المناخي لم يعد عاملا ظرفيا، بل تحولا بنيويا يفرض إعادة التفكير في أسس السياسة البيئية والغابوية بالمجالات الجبلية.

وعلى مستوى السياسات العمومية، كشف التحليل عن محدودية المقاربة البيئية المعتمدة، التي ما تزال في الغالب ذات طابع تقني وقطاعي، تركز على إجراءات الحماية أو إعادة التشجير، دون إدماج كاف للمعرفة العلمية المرتبطة بالجيولوجيا والهيدرولوجيا. كما أن غياب مقاربة ترابية دقيقة، تراعي تفاوت القدرات البيئية بين المجالات الجبلية، يحد من نجاعة برامج التكيف المناخي، ويجعلها غير قادرة على الاستجابة لتعقيد النظم البيئية التي يحتضنها الأرز الأطلسي.

وانطلاقا من هذه الخلاصات، يمكن اقتراح جملة من التوصيات ذات الطابع العلمي والعملي:

• إدماج البعد الجيولوجي والهيدرولوجي بشكل صريح في السياسات الغابوية، عبر اعتماد معطيات التخزين المائي الجوفي كأداة أساسية في التخطيط البيئي.
• تبني سياسة بيئية ترابية تراعي الخصوصيات الإيكولوجية للمجالات الجبلية، بدل اعتماد مقاربات موحدة لا تعكس تفاوت الهشاشة البيئية.
• تعزيز البحث العلمي التطبيقي حول علاقة الغطاء الغابوي بدينامية المياه الجوفية، مع تثمين الأعمال المرجعية، وعلى رأسها دراسات Ambroggi، في توجيه القرار العمومي.
• إعادة توجيه برامج إعادة التشجير وفق القدرة البيئية الحقيقية للمجال، وربطها بسيناريوهات التغير المناخي المستقبلية لا بالمعطيات المناخية الماضية فقط.
• تقوية التقاطع بين السياسات البيئية والمناخية والمائية، بما يسمح بتجاوز التجزئة القطاعية التي تضعف فعالية التدخلات العمومية.

وخلاصة القول، فإن حماية الأرز الأطلسي بالمغرب تمثل رهانا بيئيا واستراتيجيا يتجاوز منطق التدخل الظرفي، ويستدعي إعادة بناء السياسة البيئية على أساس معرفة علمية مندمجة، تراعي العمق الجيولوجي والهيدرولوجي للمجال الطبيعي، وتستجيب لتحديات الجفاف وتغير المناخ في أفق استدامة حقيقية للمنظومات الغابوية الجبلية.

————

لائحة المراجع المعتمدة:
1. Direction de la Météorologie Nationale. Rapports climatiques nationaux. Rabat, Royaume du Maroc.
2. FAO. Forests and Climate Change in the Mediterranean Region. Food and Agriculture Organization of the United Nations, Rome.
3. Haut-Commissariat aux Eaux et Forêts et à la Lutte contre la Désertification. Stratégie “Forêts du Maroc 2020-2030”. Rabat, Royaume du Maroc.
4. Haut-Commissariat aux Eaux et Forêts et à la Lutte contre la Désertification. Rapports sur l’état des forêts de cèdre de l’Atlas au Moyen Atlas. Rabat, Royaume du Maroc.
5. Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). Climate Change: Assessment Reports. United Nations, Geneva.
6. Ministère de la Transition Énergétique et du Développement Durable. Stratégie Nationale de Développement Durable. Rabat, Royaume du Maroc.
7. Ministère de l’Équipement et de l’Eau. Plan National de l’Eau. Rabat, Royaume du Maroc.
ملاحظة:
تم توظيف أعمال روبرت ب. أمبروجي في هذا المقال باعتبارها مرجعا هيدرولوجيا وجيولوجيا تأسيسيا، يسهم في تحليل الأسس البنيوية لاستدامة النظم البيئية الجبلية بالمغرب، دون أن تعد دراسات مباشرة حول شجرة الأرز الأطلسي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق