يعتبر التضامن إحدى القيم المركزية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، ويتجلى بشكل عملي من خلال التطوّع، بوصفه فعلا جماعيا يخدم الصالح العام دون مقابل. وفي زمن التحديات البيئية والاجتماعية، يكتسب هذا الفعل بعدا استراتيجيا، إذ يربط بين المسؤولية الفردية والالتزام الجماعي تجاه الإنسان والمجال.
وفي المجال الرياضي، يتحول التضامن إلى ممارسة يومية ملموسة؛ فالتظاهرات الكبرى لم تعد تقاس فقط بجودة المنشآت أو المستوى التقني، بل أيضا بحجم انخراط المتطوعين ودورهم في إنجاح الحدث. فخلال كأس إفريقيا للأمم الحالية بالمغرب، جرى الاعتماد على أكثر من 4.000 متطوع رسمي معتمد تولوا مهام التنظيم المباشر داخل مواقع المنافسات، من الاستقبال والتوجيه إلى الخدمات اللوجستية والإعلامية، ضمن بطولة تمتد من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026. ويأتي هذا الجهد في إطار تعبئة وطنية أوسع شملت ما يقارب 15.000 شاب وشابة خضعوا لبرامج تكوين وتحسيس استعدادا للبطولة، من بينهم مغاربة وطلبة أفارقة مقيمون بالمغرب، وشاركوا في مواكبة الحدث داخل الفضاءات الحضرية ومحيط الملاعب. هذا الامتداد جعل المتطوعين، بمستوييهم التنظيمي والمجتمعي، الواجهة الإنسانية الحقيقية للتظاهرة.
ولا ينفصل هذا الزخم عن العمق المجتمعي المغربي، حيث التطوع امتداد لقيم تضامنية راسخة، مثل “التويزة” والتكافل الاجتماعي، التي شكلت عبر التاريخ أحد أسس التماسك داخل المجتمع.
ومن زاوية بيئية، يكتسب التطوع خلال “الكان” بعدا إضافيا، إذ يساهم المتطوعون في تنظيم تدفق الجماهير، والتحسيس بالسلوك المسؤول، والمساعدة في الحد من النفايات والضغط على الموارد خلال حدث يستقطب مئات الآلاف من المتفرجين. وهنا يمتد التضامن من خدمة الإنسان إلى حماية المجال، باعتبار البيئة جزءا لا يتجزأ من المصلحة الجماعية.
وتؤكد تجربة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب أن التضامن ليس شعارا أخلاقيا، بل ممارسة قابلة للقياس بالأرقام والنتائج. فآلاف المتطوعين، وساعات العمل غير المدفوعة، وبرامج التكوين المسبقة، كلها عناصر جعلت من التطوع ركيزة أساسية في إنجاح البطولة. وبهذا المعنى، لم تكن “كان المغرب” مجرد حدث رياضي، بل لحظة جماعية جسدت التضامن كقيمة إنسانية ورياضية متجذرة في المجتمع المغربي، وقادرة على المشاركة في بناء نموذج أكثر تماسكا واستدامة.



















عذراً التعليقات مغلقة