الأحواض المائية مصدر حياة يتحول إلى فخ للموت

ECO1715 أكتوبر 2025
الأحواض المائية مصدر حياة يتحول إلى فخ للموت
خديجة مبتسم

في مشهد يتكرر كل سنة، لقي طفل في الخامسة عشرة من عمره مصرعه غرقا داخل حوض مائي مخصص لسقي الضيعات الفلاحية بدوار تكني التابع لجماعة مولاي عبد الله بإقليم الجديدة، بعد أن كان يسبح رفقة أصدقائه هربا من حرارة النهار، قبل أن يختفي فجأة تحت الماء، لتبدأ عملية بحث انتهت بانتشال جثته بعد دقائق من الغوص، فيما فتحت النيابة العامة تحقيقا تحت إشراف الدرك الملكي لتحديد ظروف الحادث وملابساته، في واقعة جديدة تفتح من جديد ملف الأحواض المائية المكشوفة التي تبتلع أرواح الصغار والكبار على امتداد التراب الوطني من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.

حادث الجديدة ليس حالة معزولة بل حلقة في سلسلة طويلة من الفواجع التي تشهدها القرى المغربية حيث يختلط الماء بالحياة وبالخطر في آنٍ واحد.

تتحول أحواض السقي في غياب الحماية إلى فخاخ مائية صامتة تسرق الحياة من بين أيدي من يلجأ إليها للاستجمام أو التبريد، وسط غياب المرافق الترفيهية وضعف ثقافة الوقاية وتراجع الإحساس بالمسؤولية لدى من يفترض فيهم حماية هذه المنشآت من خطر التحول إلى مصائد موت حقيقية.

القانون لا يعفي المالكين من المسؤولية الأخلاقية، لكنه ما زال يغض الطرف عن الإلزام الوقائي الواضح.

وراء كل حادثة من هذا النوع تقف أسئلة مؤلمة عن القانون والمحاسبة والضمير، فالقانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، رغم أهميته في تأطير استغلال الموارد المائية، لا يتضمن بنودا صريحة تلزم مالكي الأحواض بتسييجها أو تغطيتها بشبكات واقية، كما أن الترخيص بالسقي لا يتم ربطه فعليا بشروط الأمان، مما يترك المجال مفتوحا أمام ممارسات غير مسؤولة تحول الماء من مصدر للحياة إلى تهديد يومي لسكان القرى والضيعات.

كل درهم يستثمر في الوقاية هو درع يحمي الحياة من مأساة جديدة.

المسؤولية في مثل هذه الوقائع تبدأ من المالك الذي يستغل الحوض قبل أن تمتد إلى الجهات التي تمنح الترخيص وتغيب عن المراقبة، فالماء ليس ملكية فردية فحسب بل مورد عام يتقاطع فيه الحق في الاستعمال مع الحق في الحياة، وكل من يملك أو يستغل حوضا مائيا عليه واجب قانوني وأخلاقي لحمايته من أن يتحول إلى خطر على الآخرين، من خلال تسييج بسيط أو شبكة أمان يمكن أن تفصل بين الحياة والموت، لأن الإهمال هنا ليس مجرد تقصير بل مشاركة صامتة في المأساة.

ويأتي تخليد اليوم الدولي لتقليل مخاطر الكوارث الذي يحتفل به العالم في الثالث عشر من أكتوبر ليؤكد أن الوقاية مسؤولية مشتركة، فقد اختارت الأمم المتحدة في نسخة 2025 شعارا معبرا هو “مَوِّلُوا الصمود لا الكوارث”، دعوة مباشرة إلى تحويل الموارد نحو الوقاية بدل انتظار الفواجع، وهو نداء ينسجم تماما مع واقع الأحواض المائية في المغرب، حيث إن الاستثمار في تسييجها أو تغطيتها لا يكلف سوى جزء يسير من تكلفة الحزن الوطني الذي يتكرر كل سنة.

الماء الذي يروي الأرض يجب ألا يروي الدموع.

إن حماية الأحواض ليست عبئا إضافيا بل واجب وطني يختبر في كل موسم قدرتنا على ترجمة الحق في الحياة إلى ممارسة واقعية، فالصمود لا يبنى بالشعارات بل بالإجراءات، ولا يتحقق إلا عندما يصبح كل فلاح وكل جماعة وكل سلطة محلية شريكا في حماية الماء والإنسان معا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق